وعن يَحيى بنِ عبدِ الحَميدِ عن أَبيه قالَ: كانَ أَبو حَنيفةَ يَخرجُ كلَّ يومٍ -أو قالَ: بينَ الأَيامِ- فيُضرَبُ ليَدخلَ في القَضاءِ فأَبى، ولقد بَكى في بعضِ الأَيامِ، فلمَّا أُطلقَ قالَ لي: كانَ غمُّ والدَتي أَشدُّ عليَّ من الضَّربِ (١).
وعن بِشرِ بنِ الوَليدِ قالَ: طلَبَ المَنصورُ أَبا حَنيفةَ فأَرادَه على القَضاءِ وحلَفَ ليَليَنَّ فأَبى، وحلَفَ إنِّي لا أَفعلُ. فقالَ الرَّبيعُ الحاجبُ: تَرى أَميرَ المُؤمِنينَ يَحلِفُ وأنتَ تَحلِفُ؟ قالَ: أَميرُ المُؤمِنينَ على كَفارةِ يَمينِه أَقدرُ منِّي، فأمَرَ به إلى السِّجنِ، فماتَ فيه ببَغدادَ (٢).
وقيلَ: دفَعَه أَبو جَعفرٍ إلى صاحبِ شُرطتِه حُمَيدٍ الطُّوسيِّ، فقالَ: يا شَيخُ، إنَّ أَميرَ المُؤمِنينَ يَدفعُ إليَّ الرَّجلَ، فيَقولُ لي: اقتُلْه، أو اقطْعَه، أو اضرِبْه، ولا أَعلمُ بقصَّتِه، فماذا أَفعلُ؟ فقالَ: هل يَأمرُك أَميرُ المُؤمِنينَ بأمرٍ وقد وجَبَ، أو بأمرٍ لم يَجبْ؟ قالَ: بل بما قد وجَبَ. قالَ: فبادِرْ إلى الواجِبِ (٣).
وعن مُغيثِ بنِ بُديلٍ قالَ: دَعا المَنصورُ أَبا حَنيفةَ إِلى القَضاءِ فامتَنعَ، فقالَ: أَترغبُ عما نحنُ فيه؟ فقالَ: لا أصلُحُ، قالَ: كذَبتَ، قالَ: فقد حكَمَ أَميرُ المُؤمِنينَ عليَّ أنْ لا أصلُحَ إنْ كنتُ كاذِبًا، وإن كنْتُ صادقًا فقد أخبَرْتُكم أنِّي لا أَصلحُ، فحبَسَه.