للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ : مَسألةٌ: قالَ: (وإذا أدرَكَ الصَّيدَ وفيه رُوحٌ فلم يُذَكِّه حتى ماتَ لم يُؤكلْ).

يَعني -واللهُ أعلَمُ- ما كانَ فيه حَياةٌ مُستقرَّةٌ، فأما ما كانَت حَياتُه كحَياةِ المَذبوحِ فهذا يُباحُ مِنْ غيرِ ذَبحٍ في قَولِهم جَميعًا؛ فإنَّ الذَّكاةَ في مِثلِ هذا لا تُفيدُ شَيئًا، وكذلكَ لو ذبَحَه مَجوسيٌّ ثم أعادَ ذبْحَه مُسلمٌ لم يَحلَّ.

فأما إنْ أدرَكَه وفيه حَياةٌ مُستقرَّةٌ فلم يَذبحْه حتى ماتَ نظَرْتَ؛ فإنْ لم يَتَّسعِ الزَّمانُ لذَكاتِه حتى ماتَ حَلَّ أيضًا، قالَ قَتادةُ: يَأكلُه ما لم يَتَوانَ في ذَكاتِه أو يَتركْه عَمدًا وهو قادِرٌ على أنْ يُذكِّيَه، ونَحوُه قولُ مالكٍ والشافِعيِّ، ورُويَ عن الحَسنِ والنخَعيِّ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَحلُّ؛ لأنه أدرَكَه حيًّا حَياةً مُستقرَّةً، فتَعلَّقتْ إباحتُه بتَذكيتِه كما لو اتَّسعَ الزَّمانُ.

ولنا: إنه لم يَقدرْ على ذَكاتِه بوَجهٍ يُنسَبُ فيه إلى التَّفريطِ ولم يَتَّسعْ لها الزَّمانُ، فكانَ عَقرُه ذَكاتَه كالذي قتَلَه، ويُفارِقُ ما قاسُوا عليهِ؛ لأنه أمكَنَه ذَكاتُه وفرَّطَ بتَركِها.

ولو أدرَكَه وفيه حَياةٌ مُستقرَّةٌ يَعيشُ بها طَويلًا وأمكَنَتْه ذَكاتُه فلم يُدركْه حتى ماتَ لم يُبَحْ، سَواءٌ كانَ به جُرحٌ يَعيشُ معَه أو لا، وبه قالَ مالِكٌ والليثُ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ؛ لأنَّ ما كانَ كذلكَ فهو في حُكمِ الحَيِّ؛ بدَليلِ أنَّ عُمرَ كانَتْ جِراحاتُه مُوحِيةً فأوصَى وأُجيزَتْ وَصاياهُ وأقوالُه في تلكَ الحالِ ولا سقَطَتْ عنه الصَّلاةُ والعِباداتُ، ولأنه ترَكَ تَذكيتَه مع القُدرةِ عليهَا، فأشبَهَ غيرَ الصَّيدِ.

<<  <  ج: ص:  >  >>