قال:«إنَّ امرَأةً جاءَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَتْ: فدَاكَ أبي وأمِّي، إنَّ زَوجِي يُريدُ أنْ يَذهبَ بابنِي، وقد نَفعَني وسَقاني مِنْ بئرِ أبي عنَبةَ، فجاءَ زَوجُها وقالَ: مَنْ يُخاصِمُني في ابني؟ فقالَ: يا غُلامُ هذا أَبوكَ وهذهِ أمُّكَ، فخُذْ بيَدِ أيِّهما شِئتَ، فأخَذَ بيَدِ أمِّه فانطَلقَتْ به»(١).
ولأنه إجماعُ الصَّحابةِ، فرُويَ عن عُمرَ ﵁«أنه خيَّرَ غُلامًا بينَ أبيه وأمِّه»(٢).
وعن عَمارةَ الجُرميِّ قالَ:«خيَّرَني عليٌّ بينَ أمِّي وعمِّي، وكنتُ ابنَ سَبعٍ أو ثَمانٍ»(٣).
وهذه قِصصٌ في مَظنةِ الشُّهرةِ ولم تُنكَرْ فكانَتْ إجماعًا، ولأنَّ التَّقديمَ في الحَضانةِ يلحَقُ به الوَلدُ، فيَتقدَّمُ مَنْ هو أشفَقُ؛ لأنَّ حَظَّ الوَلدِ عندَه أكثَرُ، واعتبَرْنا الشَّفقةَ بمَظنتِها إذا لم يَكنْ اعتِبارُها بنَفسِها، فإذا بلَغَ الغُلامُ حدًّا يُعرِبُ عن نَفسِه ويميزُ بينَ الإكرامِ وضِدِّه فمالَ إلى أحَدِ الأبوَينِ دَلَّ على أنه أرفَقُ به وأشفَقُ عليه، فقُدِّمَ بذلكَ، وقيَّدْناهُ بالسَّبعِ؛ لأنها أولُ حالٍ أمَرَ الشَّرعُ فيها بمُخاطبتِه بالأمرِ بالصَّلاةِ، ولأنَّ الأمَّ قُدِّمتْ في حالِ الصِّغرِ؛ لحاجتِه إلى حَملِه ومُباشرةِ خِدمتِه؛ لأنها أعرَفُ بذلكَ وأقوَمُ به، فإذا استَغنَى عن ذلكَ تَساوَى والِداهُ؛ لقُربِهما منه، فرُجِّحَ باختيارِه.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٣٤٩٦). (٢) صَحِيحٌ: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٢٣٦)، رقم (١٩٤٥٦). (٣) صَحِيحٌ: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٢٣٩)، رقم (١٩٤٦٨).