مِنْ الخِبرةِ بالقِياسِ الصَّحيحِ مثلُ خِبرةِ عُمرَ، وهذا إنما يَتبيَّنُ بأصلٍ وهو وَقفُ العُقودِ إذا تَصرَّفَ الرَّجلُ في حَقِّ الغَيرِ بغيرِ إذنِه هل يَقعُ تَصرُّفُه مَردودًا أو مَوقوفًا على إجازَتِه؟ على قَولينِ مَشهورَينِ هُما رِوايتانِ عن أحمَدَ:
إحداهُما: أنها تَقفُ على الإجازةِ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ.
والثانيةُ: أنها لا تَقفُ، وهو أشهَرُ قَولَي الشافِعيِّ، وهذا في النكاحِ والبَيعِ والإجارةِ، وظاهِرُ مَذهبِ أحمَدَ التَّفصيلُ، وهو أنَّ المُتصرِّفَ إذا كانَ مَعذورًا لعَدمِ تَمكُّنِه مِنْ الاستِئذانِ وكانَ به حاجةٌ إلى التصرُّفِ وقَفَ العَقدُ على الإجازةِ بلا نِزاعٍ عندَه، وإنْ أمكَنَه الاستِئذانُ أو لم تَكنْ به حاجةٌ إلى التصرُّفِ ففيهِ النِّزاعُ، فالأولُ مثلُ مَنْ عندَه أموالٌ لا يَعرفُ أصحابَها كالغُصوبِ والعَوارِي ونَحوِها، فإذا تعذَّرَ عليه مَعرفةُ أربابِ الأموالِ ويَئسَ منها فإنَّ مَذهبَ أبي حَنيفةَ ومالكٍ وأحمَدَ أنه يَتصدَّقُ بها عنهُم، فإنْ ظَهَروا بعدَ ذلكَ كانوا مُخيَّرينَ بينَ الإمضاءِ وبينَ التَّضمينِ، وهذا ممَّا جاءَتْ به السُّنةُ في اللُّقطةِ؛ فإنَّ المُلتقِطَ يَأخذُها بعدَ التعريفِ ويَتصرفُ فيها، ثم إنْ جاءَ صاحِبُها كانَ مُخيَّرًا بينَ إمضاءِ تَصرُّفِه وبينَ المُطالبةِ بها، فهو تَصرُّفٌ مَوقوفٌ لمَّا تَعذَّرَ الاستئذانُ ودَعَتِ الحاجةُ إلى التصرفِ، وكذلك المُوصِي بما زادَ على الثُّلثِ وَصيتُه مَوقوفةٌ على الإجازةِ عندَ الأكثَرينَ، وإنما يُخيَّرونَ بعدَ الموتِ، فالمَفقودُ المُنقطِعُ خبَرُه إنْ قيلَ:«إنَّ امرَأتَه تبقَى إلى أنْ يُعلَمَ خبَرَه» بَقيَتْ لا أيِّمًا ولا ذاتَ زَوجٍ إلى أنْ تَبقَى مِنْ القَواعدِ أو تَموتَ، والشَّريعةُ لا تَأتي بمثلِ هذا، فلمَّا أُجِّلتْ أربَعَ سِنينَ ولم يُكشفْ خبَرُه حُكِمَ بمَوتِه ظاهرًا.