للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وما علمتُ فقيهًا من الفقهاء المسلمين ولا قاضيًا عالمًا قضى بِرَد شهادة مَنْ لم يَقتل الكلاب التي أَمَر رسول الله بقتلها، ولا جَعَل اتخاذ الكلاب في الدُّور جرحة يرد بها شهادة، ولولا علمهم بأن ذلك من أمر النبي كان لمعنى وقد نُسخ، ما اتفقت جماعتهم على ترك امتثال أمره ؛ لأنهم لا يجوز على جميعهم الغلط وجهل السُّنة.

قال النووي في «شرحه على مسلم» (١٠/ ٢٣٥): أجمع العلماء على قتل الكلب والكلب العقور، واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيه:

فقال إمام الحرمين من أصحابنا: أَمَر النبي أولًا بقتلها كلها، ثم نُسخ ذلك ونُهي عن قتلها إلا الأسود البهيم، ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب التي لا ضرر فيها، سواءٌ الأسود وغيره. ويستدل لما ذكره بحديث ابن المغفل.

وقال القاضي عياض: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في قتل الكلاب، إلا ما استُثني من كلب الصيد وغيره. قال: وهذا مذهب مالك وأصحابه. قال: واختَلف القائلون بهذا، هل كلب الصيد ونحوه منسوخ من العموم الأول في الحُكم بقتل الكلاب، وأن القتل كان عامًّا في الجميع، أم كان مخصوصًا بما سوى ذلك؟ قال: وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها البهيم.

قال القاضي: وعندي أن النهي أولًا كان نهيًا عامًّا عن اقتناء جميعها، وأمر بقتل جميعها، ثم نهى عن قتلها ما سوى الأسود، ومنع الاقتناء في جميعها إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية.

وهذا الذي قاله القاضي هو ظاهر الأحاديث، ويكون حديث ابن المغفل مخصوصًا بما سوى الأسود لأنه عام، فيخص منه الأسود بالحديث الآخَر. وأما اقتناء الكلاب فمذهبنا أنه يَحرم اقتناء الكلب بغير حاجة، ويجوز اقتناؤه للصيد وللزرع وللماشية، وهل يجوز لحِفظ الدُّور والدروب ونحوها؟ فيه وجهان.

<<  <  ج: ص:  >  >>