للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومع هذا يتضح لنا أن الصوفيين الحقيقيين كانوا قلة، بينما كثر الأدعياء وسيطروا على عقول العامة برسومهم الظاهرة، وأحدثوا في سبيل ذلك كثيرًا من البدع في الاعتقادات والأقوال والأفعال التي لا تعتمد على كتاب ولا سنة، وتجافي تصوف الحقائق، كما سماه الإمام ابن تيمية آنفا، فكان هذا مما جعل القائمين به على الحقيقة، والعلماء وعامة الناس في عصر العراقي، تتعدد مواقفهم من الصوفية كما سيأتي تفصيله في موقف العراقي منهم.

ومما ساعد على انتشار التصوف أيضًا في عصر العراقي، أن وحشية الصليبيين في الغرب، والتتار في الشرق، ألجأت الكثيرين من دعاة التصوف وأقطابه كالسيد البدوي، وأبي الحسن الشاذلي إلى الهجرة من مواطنهم، والرحلة إلى مصر التي غدت حصنًا للإسلام، وأقبل أهلها على التصوف وأهله، وآثروهم بخيراتها، مع غاية التقدير، وكانت أسرة العراقي ممن هاجر لمصر من أكراد العراق تحت وطأة التتار، واستقروا بها كما سنوضحه.

وبسبب تلك الهجرات امتزج المجتمع المصري والشامي والحجازي بكثير من الجنسيات الإسلامية من الشرق والغرب وعاشوا جميعا أخوة في السراء والضراء، لا تفرقهم الخلافات العارضة، أو النزاعات الداخلية، كما عاش المسلمون والمسيحيون واليهود، في تسامح وتآخ سجله المنصفون من الأوروبيين أنفسهم (١)، وما سجله التاريخ خلاف ذلك يُعد حوادث فردية لا تمثل ظاهرة عامة، كما تعد أقل ما يتصور حدوثه في جو كانت مساعي العدو


(١) «الإسلام والحضارة العربية» المحمود كرد علي ص ٢٩٣ و «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ٤٠ - ٤٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>