[من تقدير العلماء وغيرهم للعراقي بعد وفاته حتى الآن]
ونظرا لعلو منزلة العراقي العلمية وشهرته الواسعة على النحو السابق حتى لقب بمجدد القرن الثامن في علوم السنة على مستوى الأقطار الإسلامية عموما فإن وفاته أحدثت ضجة كبرى ترامت أصداؤها إلى أقاصي العالم الإسلامي الذي انتشر فيه علمه وتلاميذه كما قدمنا، فخفقت قلوب القاصي والداني بالحزن والأسى لرحيله، وزَرَفت العيون غزير الدمع لفراقه، وتوالت التعازي على ولده أبي زرعة من كل فج، وكما مدح العراقي في حياته غير واحد بالنظم كما مر ذكره. فقد لهجت الألسنة بعد مماته برثائه، وذكر مآثره، وعبر عامة الناس وخاصتهم عن تقديرهم لعلمه وفضله، فمن ذلك قول تلميذه الحافظ ابن الجزري إمام القراء في وقته: «لما بلغته وفاته وهو بـ (سمرقند) في أعماق آسيا»:
رحمة الله للعراقي تترى … حافظ الأرض حبرها باتفاق
إنني مقسم أَلِيَّةً صدق … لم يكن في البلاد مثل العراقي (١)
ثم كتب إلى ولده أبي زرعة معزيا ومشجعًا له على مواصلة رسالة والده من بعده كما تقدم، ولا شك أن وصول نبأ وفاة العراقي من القاهرة إلى سمرقند، في وقت سمح لابن الجزري بالعزاء، دليل على شهرته الواسعة، والاهتمام بتناقل خبر وفاته والتأثر بذلك على أوسع نطاق. ولذلك يقول تلميذه المقريزي:«كان للدنيا بهجة ولمصر به فخر، وللناس به أُنس ولهم منه فوائد جمة»(٢).
كذلك طار نبأ وفاته إلى الشام والحجاز، فتأثر القطران لفقده، وأعرب أعلام السنة بهما من تلاميذه عن تقديرهم البالغ لعلمه وخُلقه، وقد قدمت