أشرنا من قبل إلى أن عامة الديار المصرية في عصر العراقي كانت عامرة بمدارس الحديث والمشتغلين بالسنة، بدءا من الإسكندرية في أقصى الشمال إلى أقصى الصعيد في الجنوب، لكن الإسكندرية كانت تلي مدينتي مصر والقاهرة في الإزدهار بالسنة، ولهذا فإن العراقي ركز اهتمامه بها، فقد قدمنا أنه خلال الفترة التي تخرج فيها على ابن التركماني، وكان مشتغلاً بالتلمذة على المسندين والحفاظ بمصر والقاهرة، حرص على تحصيل إجازة عدد من شيوخ الإسكندرية من نفس الطبقة المعاصرة لابن التركماني الذي خرجه. فلما تم تخريجه واستوفى شيوخ العاصمة وأعد نفسه للرحلة، خص الإسكندرية ببعض رحلاته، ولم أقف له على رحلة لغير الإسكندرية من البلاد المصرية، غير أن ولده ولي الدين، ترجم للمحدث عَلَم الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن نصر الله الدمنهوري المتوفي بها في أواخر المحرم سنة ٧٦٥ هـ وقال:«إنه حَدَّث وسمع منه والدي والهيثمي»(١) فلعل سماع العراقي عليه كان بدمنهور خلال رحلاته إلى الإسكندرية، لوقوعها في الطريق. أما رحلاته للإسكندرية فلم يُحدِّد المؤرخون منها غير رحلة واحدة في سنة ٧٥٦ هـ، ولكنني وقفت على ما يؤكد تكرر رحلاته إليها بعد هذه السنة كما سأوضحه.
فبالنسبة لرحلة سنة ٧٥٦ هـ ذكرها ابن فهد حيث قال: «إن تقي الدين السبكي شيخ العراقي السابق، لما قدم من الشام إلى القاهرة في السنة المذكورة