وسجل التاريخ العلمي للعراقي بإحيائها على النحو المشار إليه، عملا رائدا في عصره، تتوج به ما قدمته من جهوده ومواقفه المشهودة في سبيل إحياء السنة والنهوض بعلومها، كما تأكد به استمرار ريادته المدرسة السنة في عصره إلى آخر حياته (١).
[٣ - لماذا لم يشرع العراقي في الإملاء مبكرا؟ وما رأيه في القطاعه ثم إحيائه؟]
ثم إن نهوضه بإحياء هذه السنة العلمية في أواخر حياته، لا يعني تراخيه عنها أو عدم كفاءته لها من قبل؛ لأنه قد رشح لها من غير واحد من علماء عصره قبل ذلك بسنين، وكان المانع خارجا عن إرادته. فقد طلب منه ذلك قاضي القضاة الشافعية، تاج الدين ابن السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ (٢)، وكان طلبه في وقت سابق على تاريخ وفاته المذكور بكثير، وبعد خبرة بالعراقي وبمؤلفاته كما قدمنا في رحلاته الشامية، ومن بعد ابن السبكي طلبه ابن العراقي المحبب عنده وهو «أبو زرعة»، ولكن العراقي اعتذر في المرتين بعدم وجود إقبال من طلاب السنة حينذاك على حضور تلك المجالس والمواظبة عليها (٣). ولم يكن حفزهم عليها بعد طول انقطاع ليتأتى في وقت قصير، فاستمر الحال على هذا، حتى كانت مرحلة عمل العراقي بالمدينة المنورة كما ذكرنا، وهناك تجدد الطلب مرة ثالثة، لكن من جماعة، وأبدوا رغبتهم القوية في التلقي عنه بطريقة «الإملاء»، اقتداء بالسلف الصالح كما مر ذكره، وبذلك زال مانع العراقي السابق،
(١) «نظم العقيان» ١١ ب. (٢) «ذيل ولي الدين بن العراقي» وفيات سنة ٧٧١ هـ. (٣) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٢٩٥.