محمود المقدسي، كما قدمنا، وتتابعت منذ ذلك التاريخ وقائع عطائه العلمي بجانب نشاطه في التحصيل، حتى بلغ مرحلة النضج التي تمحض فيها للعطاء كما سيجيء.
وقد قدمت من قبل نماذج تبادله الإفادة العلمية سماعًا وكتابة، خلال رحلاته مع شيوخه وأقرانه، بالإضافة لقيامه في الرحلات الحجازية خصوصًا بتدريس علوم السنة ونشرها، سواء من خلال مؤلفاته أو غيرها، ولم يكن في هذا ولا في ذاك، مرتبطًا بوظيفة رسمية ولا مستأجرًا من أحد إلا من الله.
ومع أن المؤرخين للعراقي متفقون على تعدد وظائفه العلمية، شرعيًا ورسميًا، وعلى عظيم آثارها، خاصة في جيل المحدثين عمومًا من بعده، غير أن تناولهم لذلك يعوزه التفصيل والتحديد والنماذج التطبيقية التي تدعم ما قرروه وتجسد أبعاد جهود العراقي، وتُحدّد عناصر منهجه في التعليم والتوجيه ومدى آثاره.
وقد قمت من جانبي بالتتبع التفصيلي لمسار نشاط العراقي العلمي ونتاجه وتتبع حركة التوظف بمصر وخارجها، حتى أغطي تلك الجوانب الهامة التي تقتضيها طبيعة البحث المنهجي، لإظهار أثر العراقي في نشر علوم السنة وتخريج حفاظها وغير ذلك، خلال مراحل حياته المختلفة ومواقعها وسأتناول ذلك على النحو التالي:
أولاً: مرحلة عمله الأولى بالقاهرة ونتائجها:
١ - روايته للسنة وتدريس علومها:
تمتد هذه المرحلة من سنة ٧٤٥ هـ التي حدد العراقي بنفسه بداية نشاطه فيها كما ذكرنا، حتى سنة ٧٨٨ هـ التي تولى فيها قضاء المدينة النبوية وتوابعه،