الولاية أولى مني وهو أحق منا» (١). فلما توفي البلقيني سنة ٨٢٤ هـ تولى المنصب بغير سؤال منه، مع وجود السعاة في تحصيله بدفع الأموال، وقد طلبه السلطان بنفسه مثلما حدث مع والده، ولقد سار فيه سيرة حسنة للغاية، فلما خولف في بعض الأمور عزل نفسه، فاستعطفه السلطان، وأعاده لنزاهته وصلابته في الحق، لكن ذلك ألب عليه أهل الدولة فيما بعد، فعزلوه وولوا مكانه أحد تلاميذه الأقل منه كفاءة، فتألم لذلك وقال:«لو عزلت بغير فلان ما صعب علي،»، ومع هذا حاول اجتياز الأزمة، والعودة إلى رسالته العلمية بالتحديث، والتدريس، والتصنيف، غير أن حياته لم تطل بعد ذلك، فمات مبطونا، على إثر حمى كبدية، وذلك في يوم الخميس ١٧ شعبان سنة ٧٢٦ هـ ودفن بجانب أبيه.
[عدم مجاملة والده له في العلم]
وقد لقبه غير واحد بـ «الحافظ» ونقل ابن حجر عن العراقي ترتيب من يخلفه من الحفاظ، فبدأ بابن حجر وثنى بأبي زرعة، وهذا خير دليل على إنصافه، وتجرده في مجال العلم عن العاطفة، ولو على ولده، وعلل ابن حجر ذلك، بأن أبا زرعة تشاغل بفنون غير الحديث، فكانت ممارسته له أقل من ممارسة ابن حجر (٢).
أما شمس الدين بن الجزري تلميذ العراقي، فإنه لما علم بوفاة العراقي وهو بسمرقند كما قدمنا في التعريف به، فإنه كتب إليه، معزيا، وواصفا له، بأنه
(١) «ذيل نزهة النظار في قضاة الأمصار»، للزفتاوي ١ ب (مخطوط). (٢) و «إنباء الغمر»، جـ ٢/ ٢٧٧.