غيرها، ورحل إليهم، وتتبع بعضهم في أكثر من بلد، مثل الأعزازي هذا، طلباً للمزيد من علوم السنة ومروياتها المتميزة، باذلاً في ذلك الجهد ومستطيباً في سبيل السنة تحمل المشاق، دون أن يكلفه بذلك أحد أو يكافئه. وبعد أن طوف العراقي بما أراد من مواطن علماء الرواية والدراية بمدن الشام وقراها، وتزود بما أتيح له منهم، قفل راجعاً إلى القاهرة.
[جـ - الرحلة الثالثة]
ما كاد العراقي يلتقط أنفاسه، وينفض غبار رحلته السابقة، حتى رأيناه يعد نفسه، ويحزم أمره من جديد، لمعاودة الرحلة للشام لثالث مرة، وذلك في نفس السنة التالية لرحلته المتقدمة مباشرة وهي ٧٥٩ هـ، وهذا مصداق ما تقدم، أنه مكث مدة لا تخلو له سنة من الرحلة، ولا شك أن ذلك قمة في الاهتمام بطلب السنة، واستفراغ من العراقي لأقصى قدر، من ماله وطاقة شبابه الجسمي والعقلي، في تحصيل علومها، خاصة عندما نقف على بعض تفاصيل تلك الرحلة واتساع دائرتها، حيث يقول ابن فهد: «إن العراقي في هذه النوبة جال في طلب الحديث غالب البلاد التي بها الرواية (١)»، وقد أسلفنا في حالة العصر أن منطقة الشام حينئذ كانت قد تطهرت عموماً من الصليبيين، وأخذت تعود إلى مدنها وقراها روح الأمان والعمران والازدهار العلمي، فانتشرت بها مدارس الحديث، وكثر بها المشتغلون بالسنة، ويظهر من تفاصيل جولة العراقي التي أشار إليها ابن فهد، أنها شملت من «غزة» جنوباً، إلى «حلب» في أقصى شمال الشام، فكانت بذلك أوسع رحلاته