أما جهاز القضاء وإقامة العدل بين الناس، فهو من أخطر أجهزة الدولة، ويقوم به صفوة الأمة من علماء الشريعة، وإليهم يرجع الأمر في سن جميع التشريعات والقوانين المنظمة لمختلف مرافق تلك الدولة المترامية وفئاتها المتعددة، وقد كان القضاء في الدولة الأيوبية التي أعقبتها دولة المماليك مقصورًا على فقهاء المذهب الشافعي فقط، رغم عنايتهم بإقامة المدارس في مصر والشام واليمن والحرمين لتدريس فقه المذاهب الأربعة، وهي الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي، وذلك للقضاء على المذهب الشيعي، بعد إسقاطهم دولة الفاطميين التي كانت تتبعه في قضائها وتُعلّمه وتنشره، واستمر المماليك على ذلك حتى عصر الظاهر بيبرس، فجعل القضاء بمقتضى المذاهب الأربعة جميعًا سنة ٦٦٥ هـ، وأمر أن لا يرشح للقضاء أو الإدارة إلا من كان مقلدًا لأحد هذه المذاهب، وتحريم ما عداها (١).
وقد كان هذا من أسباب شيوع التقليد الذي يُنْتَقَدُ به العلماء، وهو مفروض عليهم كما ترى، بل إنهم حاولوا الاجتهاد في إطاره كما سيأتي، وجعل لقضاة كل مذهب رئيسًا، يُلقب بقاضي القضاة، ويعين نوابًا عنه في مناطق العاصمة، مع احتفاظ قاضي القضاة الشافعي بمكان الصدارة، وتمتعه بميزات
(١) «الطبقات الكبرى» للشعراني ج ١/١٨ و «تاريخ التشريع» للخضري ص ٣٤٢، ٣٤٣ و «الأيوبيون والمماليك» ص ١٥٥، ١٥٦، ٣٥٦، و «العصر المماليكي في مصر والشام» ص ٣٣٧ و «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ١٥٤ و «الثلاثة للدكتور سعيد عاشور» و «عصر الانحدار» للدكتور محمد أسعد طلس ص ١٨٤، ١٨٦.