وزكى للعراقي ذلك ولده أبو زرعة ورفيقه الهيثمي فاستجاب، نظرا لأن قواعد الإملاء أجازت هذا كما قدمنا ذكره. وقرره أيضا ابن كثير شيخ العراقي بالنسبة للرواية عموما عمن تقدمت به السن، احترازا من اختلاطه (١).
وعاد العراقي ثانية لعقد مجلس الإملاء بعد قطعه مدة واحتجابه، فأملى المجلسين ٤١٤، ٤١٥ من الأحاديث الستين المشار إليها (٢).
لكن يظهر أنه لم ير في هذا كبير جدوى بالنسبة لمجالسه السابقة التي اختار بنفسه موضوعاتها، وأعدها وأداها متميزة بميزات خاصة كما سيأتي فتوقف ثانية عن «الإملاء» وعاد للاحتجاب، وعندئذ لم يجد أحد من طلابه مساءا للإلحاح عليه من جديد.
[٦ - المجلس الختامي للإملاء وإسهامه به في أحداث عصره]
غير أنه حدث في شهر صفر سنة ٨٠٦ هـ أن توقف النيل (أي هبط مستوى مياهه جدا دفعة واحدة) فشرق غالب البلاد، وبالتالي توقفت المحاصيل الزراعية ووقع الغلاء المفرط في القمح وغيره، فكانت تلك السنة بداية سني المحن، لعامة الديار المصرية، وذعر الناس، وخرجوا مع العلماء والقضاة وشيوخ الخوانق (٣) إلى المساجد والخوانق والخلوات للدعاء والتضرع إلى الله تعالى رجاء تخفيف هذه الشدائد، وعندئذ لم يمنع العراقي كبر سنه واحتجابه،
(١) «اختصار علوم الحديث لابن كثير مع الباعث الحثيث» / ١٥٢ و «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/ ٢٨٦. (٢) (المجمع المؤسس) / ١٧٨، و «لحظ الألحاظ» / ٢٣٣. (٣) هي المنشآت التي كانت تبنى لإقامة الصوفية الذين كثروا في هذا العصر كثرة ظاهرة ..