ختم نشاطه العلمي كلية احتياطا من الوقوع في مثل هذا، خاصة وأنه حينئذ ظهرت عليه متاعب الشيخوخة وصعب عليه التخريج لما يمليه من مصادره المختلفة، فتوقف فعلا عن الإملاء بعد المجلس المذكور، بل احتجب عنه وعن غيره نهائيا في شوال سنة ٨٠٥ هـ (١)، لكن تلاميذه سرعان ما أحسوا بفراغه، ورغبوا في الاستفادة الشفاهية منه بأي وجه مستطاع خاصة وأنه رغم ضعف الشيخوخة بقي متمتعا بقواه العقلية، فلم يختلط ولم يتغير فهمه، مع سلامة حواسه أيضا، وبذلك توافرت له شروط الضبط المعتبرة في رواة السنة وعلمائها، بجانب تقدم السن المحقق لعلو السند. وقد قرر أكثر أئمة الاصطلاح أن من كان هذا شأنه فلا ينبغي له الامتناع تقييدا بالسن، لأن الناس أحوج ما تكون في هذا الوقت لروايته (٢).
لهذا فقد اجتمع ثلاثة من كبار طلبته وهم: ولده أبو زرعة، ورفيقه الهيثمي والحافظ ابن حجر، وقرروا أن يطلبوا إليه إعادة مجلس الإملاء، على الأقل، باعتباره مرة واحدة كل أسبوع، وكان الحافظ ابن حجر قد خرج له من قبل من مروياته ٦٠ حديثا عشرية الإسناد، كما سيأتي تكملة للأربعين التي خرجها هو وأملاها بالمدينة كما ذكرت، فسأله ابن حجر أن يعاود عقد مجلس الإملاء ويعلي من هذه الأحاديث الستين التي هي من مسموعاته العالية مع كونها مخرجة جاهزة على الوجه الصحيح، بعنايته وذلك عن خبرة بالفن وبمرويات شيخه، وما على الشيخ إلا أن يمليها من لفظه بسنده العالي ليتحملها عنه إملاء تلاميذه المتعطشون لذلك.