ﷺ من أمته، فيعظهم ويوجههم، وينشر على مسامعهم من جديد، ما سبق أن بلغه ﷺ لأسلافهم من وحي الكتاب الكريم، وبيانه بسنته القولية والعملية، ولنا أن نتصور مئات السامعين من أهل المدينة والواردين عليها، لما ضمنه العراقي خطبه من الحكمة والموعظة، وما أذاعه عليهم من سنة الرسول ﷺ، ولو أنه أو غيره من السامعين اعتنى بتسجيل تلك الخطب خلال سني ولايته، لأوقفنا على رصيد كبير من آرائه ومواقفه، وما أذاعه بين عامة أهل المدينة، من علم الكتاب والسنة، لكني للأسف لم أقف من خطب العراقي عموما إلا على خطبة وعظية واحدة غير محددة المكان أو الزمان، كما سيأتي ذكرها في مؤلفاته، وفيما ألفه في الآداب والترغيب والترهيب خلال تلك المرحلة المدنية ما يكفي أنموذجا لذلك كما سنعرض له.
[د - نشاطه في علوم السنة، تحديثا وتدريسا وتأليفا، وإحياؤه سنة إملائها]
لعل مما يلفت النظر، قيام العراقي خلال ولايته قضاء المدينة بنشاط كبير في علوم السنة، دون أن يكون داخلا في الواجبات الأساسية لوظيفته، وهي القضاء والإمامة والخطابة، وهذا يؤكد ما قررناه في صدر مبحث وظائف العراقي، من أنه كان يرى قيامه برسالته الحديثية، وظيفة شرعية يلزمه النهوض بها، سواء وظف لذلك رسميا أم لا، ولهذا فإن العراقي في مرحلة عمله بالمدينة لم يكتف بما تضمنه عمله الوظيفي من إذاعة السنة عبر خطبه، وإحياء ما كان مهملا منها في إمامته، وإنما انتصب بالمسجد النبوي والروضة الشريفة منه، بين قبر الرسول ﷺ ومنبره، وأخذ يحدث بانتظام بمروياته وبمؤلفاته، ودرس أيضا علوم السنة لطلابها من أهل المدينة والواردين عليها. وقد أشار تلميذه التقي الفاسي، مؤرخ الحرمين إلى أن ذلك كان زيادة على مهام منصبه.