بل من العلماء من كان يرفض ما يُعرض عليه من الوظائف الرسمية، ليؤدي رسالته في أي زمان ومكان من بلاد الإسلام التي يحل فيها ومنهم من كان يتقاضى أجرا على التعليم ورواية السنة (١) ومنهم من كان يسعى لتحصيل الوظائف ويتكالب عليها ولو بدون تأهل أو كفاءة كما سيأتي، ولكن الحافظ العراقي كان شأنه وسطًا، فلم يُعرف عنه أنه طلب أجرًا على التعليم أو الرواية، بل فتح قلبه وبيته لطلابه، ولم يُعرف عنه أيضًا تزلف لأحد لتحصيل وظيفة رغم كفاءته وضيق عيشه، بل ظل يؤدي رسالته راحلا أو مقيمًا بمصر، قانعا بإقامته في الخانقاه السابق ذكرها ومكتفيا بمخصصاته فيها، فإذا خلت وظيفة أو استحدثت، وطلب إليها معزّزا مُكرَّما أجاب وأدى واجبه العلمي من خلالها، وربما وجد في وضعه الوظيفي إحراجا أو تعطيلا لغيره، فينقطع من نفسه رغم كونه مطلوبا، على ما سنفصله، ومن يراجع حركة التوظف في عصره يدرك تماما أن مسلكه هذا نموذجي ونادر حينذاك، وقد كان العراقي يدرك جيدا أن مناط تكليفه بالتعليم والتوجيه هو التأهل لذلك وليس التوظف الرسمي، وصرح بذلك في بيان دافعه لإصدار بواكير تأليفه بقوله:«وقد أوجب الله تعالى على من علم علمًا وإن قل، أن يُبينه ولا يكتمه»(٢)، ولهذا فإن تصديه للإفادة العلمية كان أسبق وأعم من تعيينه في أية وظيفة رسمية.
فقد ذكر لنا بنفسه أول ممارسته لإسماع الحديث وذلك في سنة ٧٤٥ هـ وهو دون العشرين من عمره حيث سمع منه بعض مروياته: المحدث أبو
(١) و «بهجة الناظرين» / ٣٣ و (إنباء الغمر) جـ ١/٥٠ و (عنوان الزمان)، للبقاعي جـ ١/١٥ (مخطوط). (٢) و «جزء الموضوعات في مسند الإمام أحمد»، للعراقي ضمن القول المسدّد لابن حجر/ ٤.