فأعدت ربط خاصة بهن (١)، وقد كان يعين لكل منشأة شيخ أو أكثر من جماعتهم، لرعاية شئونها، وتخصص بها دروس للعلم والوعظ، ولم يسمع الرحالة ابن جبير حين شاهد الصوفية على هذا الوضع إلا أن يقول: «وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد؛ لأنهم قد كفاهم الله مؤن الحياة وفضولها، وفرغ خواطرهم لعبادته من الفكرة في أسباب المعايش (٢)».
غير أنه كان لهذه العناية وتوفير سبل العيش السهلة لهم أثر عكسي على التصوف، حيث دفع الكثرة التي كانت تعاني حينئذ شظف العيش إلى الالتجاء لتلك المنشآت للتعيش، وأقاموا رسوم الصوفية الظاهرية، كلبس الخرقة، وأخذ العهد، ونحو ذلك، ولهذا قسم الإمام ابن تيمية معاصر العراقي الصوفية آنذاك إلى ثلاثة أقسام:
أولها: صوفية الحقائق، وهم القائمون بأداء الفرائض الشرعية واجتناب المحارم، والتأدب بآداب أهل الطريق، التي هي آداب الشرع مع عدم تمسكهم بفضول الدنيا، وأكثرهم لا يتقيدون بلوازم الخوانق.
وثانيها: صوفية الأرزاق، وهم الذين وقفت عليهم الوقوف كالخوانق، ولا يشترط فيهم أن يكونوا من أهل الحقائق، فإن هذا عزيز.
وثالثها: صوفية الرسوم وهم المقتصرون على النسبة، فَهَمّهم اللباس والآداب الوضعية، ونحو ذلك، بحيث يظنهم الجاهل منهم وليسوا منهم (٣).
(١) «المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ١٧٣، ١٧٤ و «الضوء اللامع» جـ ١٢/١٤ و «صفحات من عصر السيوطي» ص ٢١ لعبد الوهاب حمودة. (٢) «رحلة ابن جبير» ص ٢٨٤. (٣) الصوفية والفقراء لابن تيمية ص ٣١، ٣٢.