حتى دخلوا بالخيل جامع الحاكم بأمر الله، وقتلوا بعضهم، ثم نودي في اليوم التالي بالأمان وعزل «بُكْتُمُر»، هذا بالإضافة لما كانت تقوم به القبائل العربية التي كانت تقيم في صعيد مصر، والبحيرة والشرقية، والشام من ثورات لانتزاع الحكم، أو الامتناع عن دفع الخراج للدولة، ومن غارات للسلب على عواصم المدن، كأسيوط والإسكندرية والقاهرة، وبذلك تضعضعت أحوال البلاد حتى تجرأ الصليبيون بعد تطهير البلاد منهم - كما أسلفنا - على غزو مصر سنة ٧٦٧ هـ في عهد الأشرف شعبان، ثاني أحفاد الناصر، وكان في الحادية عشر من عمره ووصيه الأمير «يَلْبُغَا» المعروف بظلمه وكبريائه، مما جعله يهزأ بخبر عزم ملك قبرص على القيام بتلك الحملة، بدلا من الاستعداد لها، وفعلا جاءت الحملة من قبرص، وهاجمت الإسكندرية في توقيت مقصود، وهو يوم الجمعة ٢٤ محرم، حين تجمع المسلمين في المساجد للصلاة، ولم يكن أمير الإسكندرية بها، لغيابه في الحج، فاحتلوا المدينة بسهولة، وأحرقوا المساجد، وخربوا الزوايا، واستباحوا المدينة عدة أيام، ثم أجلوا عنها مثقلين بالمنهوبات ومصطحبين كثيرا من الأسرى، من مسلمين ويهود ونصارى، ولم يصل «يلبغا» بجيشه الكثيف إلا بعد مغادرة الحملة للمدينة وهي خراب، تعج بجثث الشهداء، فأمر بإصلاح التخريب ودفن الشهداء (١)، وتصنيع سفن حربية لقتال الفرنج (٢).
وقد أرّخ العراقي في «ذيله على وفيات النقلة» للمنذري، لبعض شهداء هذه المعركة من العلماء الذين سمع منهم الحديث في رحلته للإسكندرية قبل هذه
(١) «العصر المماليكي»، ص ١٣٣. (٢) «ذيل ولي الدين ابن العراقي على ذيل والده» حوادث سنة ٧٦٧ هـ.