الإسلام بذاتيته قلوبهم القاسية، فأسلم حكامهم من أبناء هولاكو، وتبعهم جنودهم وأهلوهم، وبدأوا يعمرون بأيديهم ما خربوه حتى إن غازان محمود ابن هولاكو وصاحب الهجوم الشرس على الشام مرة سنة ٦٩٩ هـ (١)، وقد انزعجت بسببه أسرة الحافظ العراقي وهاجرت من العراق إلى مصر كما سيأتي ومرة سنة ٧٠٣ هـ، وجدناه يعمر الكثير ببغداد وإيران حتى شيد بهما دورًا للحديث والقرآن، ومدارس وخوانق للصوفية (٢)، ومكاتب للتعليم وأقام حد السكر، وجمع الجبايات بمقتضى الشرع (٣).
وما أن جاءت سنة ٧٢٠ هـ حتى أرسل حكامهم وفدًا إلى الناصر محمد بن
(١) «عصر الانحدار» للدكتور محمد سعد أطلس ص ١٩، ٢٠. (٢) من يستعرض تاريخ البلاد الإسلامية، عمومًا، في هذه الحقبة التاريخية، وما تلاها، فإنه يجد أن المنتسبين للتصوف، يمثلون عنصرًا متداخلا، بعمق وتأثير - في مختلف جوانب حياة الشعوب التي استظلت بظل الإسلام، شرقًا وغربًا، ولا سيما العامة منهم، بما لهم من كثافة وانتشار؛ لهذا، فإنه كان لا يتأتى تخطيهم، أو تجاهل وجودهم، ومطالبهم، لا من حاكم يريد الإمساك بزمام الأمور، وسياسة الجمهور، ولا من محكومين يرتبطون بطوائفهم، نسبًا، وصهرًا، ويعايشونهم في مختلف مناشط الحياة، عسرا، ويُسرًا، كما سنرى بالبسبة للحافظ العراقي وأسرته. وعليه، فإن من يتصدى لمثل دراستنا هذه، يحتاج في تكاملها، وتوضيح ملابساتها، إلى التعرض لما له تعلق مباشر بالواقع التاريخي لوجود التصوف والصوفية، في مسرح حياة العراقي وأسرته، وفي التراث العلمي الذي تعامل معه أخذا وعطاء، كما سيجيء في موضعه. وبالتالي فإني تعرضت لما دعت إليه حاجة هذه الدراسة، في حدود خطتها فقط، وهو تعرض جزئي، لا يمثل إقرارًا، ولا إظهارا المبتدعات الصوفية، ومخالفاتهم، وسيأتي ص () نقل ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، في بيان أقسام الصوفية في عصره، الذي لحق جانب منه، نشأة والد العراقي، ومولد ابنه الحافظ، الذي نحن بصدد التأريخ لجوانب حياته بمؤثراتها، وتأثيرها. (٣) المرجع السابق نفس الموضع.