برقوق، الذي ذهب بنفسه إلى العراقي، وطلب منه تولي قضاء المدينة المنورة كما سيأتي، ثم ولده الناصر فرج الذي خَلَفَهُ سنة ٨٠١ هـ وقد توفي العراقي في عهده.
ورغم أن الطابع العام العصر المماليك هو الحروب الخارجية والفتن والمنازعات في الداخل، وتأثير ذلك في حياة الأمة، فإننا نجد أن الفترة التي عاشها العراقي تُعد أكثر فتراته استقرارًا ورخاء وازدهارًا عمرانيا وثقافيا. وذلك لما يأتي:
١ - أنه كان قد تم إنهاء الوجود الصليبي في الشام ومصر بعد معارك ضارية لقرنين من الزمان، كان آخرها سنة ٦٩٠ هـ حيث تمكن السلطان خليل بن قلاوون من الاستيلاء على آخر معاقل الصليبيين بالشام (١) ولم يعد لهم أية إمارات بالمنطقة، وكانت معاركهم المتفرقة بعد ذلك يشنونها من بلاد أوروبا الساحلية القريبة، وخاصة قبرص ثم يعودون من حيث أتوا.
٢ - أنه كان قد تم أيضًا صد الغزو التتري، الذي بدأ في سنة ٦١٥ هـ اجتياحه لشرق العالم الإسلامي من حدود الصين حتى بغداد عاصمة العالم الإسلامي حينئذ، فأسقطوها وقتلوا الخليفة وخيرة العلماء وأعدموا الرصيد العلمي للمسلمين، ثم اجتاحوا الشام بنفس الروح الوحشية، وتقدموا نحو مصر فَخَفَّتْ إليهم بجيوشها، وأذاقتهم لأول مرة في عين جالوت سنة ٦٥٨ هـ طعم الهزيمة، وعرفتهم طريق الفرار، مما جعلهم يكتفون بإقامة دولة لهم على ما استولوا عليه من فارس والعراق، وأصبحوا جيرانا للشام، وسرعان ما فتح
(١) «دولة الخلافة العباسية»، القسم الثالث، لشيخنا الفاضل الدكتور زكي محمد غيث، و «الأيوبيون والمماليك في مصر والشام» دكتور سعيد عبد الفتاح عاشور.