الحديثية، وعاد من تلك الرحلة أيضًا فواصل استكمال دراسته الحديثية وما كان مشتغلا به بجانبها، من الفقه والعربية، حتى مهر، وأذن له غير واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس والتحديث، ومع هذه العناية الفائقة من والده بتعليمه على يد أعلام عصره وشيوخه في مصر وخارجها، فإنه باشر بنفسه تعليمه وتدريبه في علم الحديث، وفي غيره من الفقه والأصول والعربية، ولازمه أبو زرعة في ذلك حتى تخرج به في الحديث (١) وقرر أنه لم يفارق والده إلا في رحلته مع الهيثمي للشام وفي مدة عمل والده بقضاء المدينة، وبذلك أُتيح له أن يستفيد من علمه ويتأثر به لأبعد حد، فقد سمع وقرأ عليه كثيرًا من مروياته ومؤلفاته المتعلقة بالرواية وبحثها (٢) بل حفظ بعضها واستملى عليه كثيرا من أماليه.
ومن عناية والده الحديثية به أنه ألف كتاب (تقريب الأسانيد في أحاديث الأحكام) منتقيًا أحاديثه مما روى بأصح الأسانيد إلى رسول الله ﷺ، مراعيا اتصال أسانيدها إلى ولده أبي زرعة، وقال في مقدمته: وبعد فقد رأيت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرًا في أحاديث الأحكام، يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، فإنه يقبح بطالب الحديث بل بطالب العلم أن لا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار يستغني بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار، ويتخلص به من الحرج في الجزم بنقل ما ليست له به رواية، فإنه غير سائغ بإجماع أهل الدراية (٣)، ثم أثبت.
(١) جزء في التراجم/ ١٨. (٢) انظر نظم الاقتراح لوالده أ (مخطوط). (٣) «تقريب الأسانيد» ٢، ٣.