مجالس السماع عليه، وقام بنفسه بقراءة مُسند الإمام أحمد عليه كاملا، وغيره، وسمع معه الكثيرون من المشتغلين بالسنة والمعنيين بها، ودارت بينهم وبين العراقي خلال القراءة مباحثات في درجة أحاديث مسند أحمد، وبين لهم رأيه في ذلك، ثم سجله مفصلا في مؤلف خاص كما سيأتي (١).
ولم يُعرف لغير العراقي من المشتغلين بالسنة في مصر حينذاك مثل هذا المسعى لإقدام أحد المسندين الكبار، وبذل الجهود لإتمام وتعميم الاستفادة به لطلاب السنة وعلمائها، ويشبه عمله هذا - إلى حد كبير - البعثات الداخلية، والمؤتمرات المحلية المعاصرة، التي تدعو إليها وتنظمها وتشرف على تنفيذها الهيئات العلمية المتخصصة، لدعم كفاءتها وتنشيطها، وبذلك كان عملا رائدا في عصره.
وقد تأسى بالعراقي في هذا من تلاميذه البارزون، ولده «ولي الدين أبو زرعة»، فكان يحضر بعض المسندين الممتازين في مجالسه، فيسمع عليه هو ومن حضر من جماعته وطلابه، قصدًا للخير وعموم النفع (٢).
وهناك موقف آخر للعراقي يلتقي مع ما تقدم، ويبين اضطلاعه بالمسئولية العامة عن النهوض بالسنة، وذلك بالعمل على تنقية مجال الاشتغال بها من أدعياء العلم، أو غير الأكفاء، مهما كان جاههم أو منصبهم، وبيان هذا، أن المنشآت العلمية في عصره كانت توضع لها شروط خاصة، يجب توافرها فيمن يدرس بها، كما ذكرتُ بالنسبة لدار الحديث الكاملية، غير أن
(١) «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات ٧٦٣ هـ و «جزء الموضوعات في مسند الإمام أحمد للعراقي» (ضمن القول المسدد لابن حجر ص ٣، ٤). (٢) «الضوء اللامع» جـ ١/ ٣٤٢.