للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فمن تلك الأمثلة يظهر لنا أن العراقي لم يسلك في الحكم بوضع الحديث، مسلك التساهل العام، ولا التشدد العام، بدليل أن من عُرف بالتساهل في الحكم بالوضع كابن الجوزي ومن يوافقه، ومن عُرف بالتشدد في ذلك كابن حبان ومن يوافقه، تارة يوافق العراقي كلا منهم، وتارة يخالفه، على ضوء ما يظهر له بالبحث والنظر في قواعد النقد، وفي أقوال من يقف على آرائهم من النقاد، فدل هذا على تمتعه بملكة وخبرة نقدية، تبرز شخصيته الحديثية في اختيار ما يترجح لديه بالدليل.

لكن ضخامة عدد الأحاديث التي تعرض للحكم عليها في كتاب المغني هذا، جعلته في مواضع لا يعني بتحقيق الخلاف وبيان الراجح.

فقد ذكر - مثلا - الحديث السابق من رواية معاذ ، واقتصر على عزوها لابن عدي وابن حبان في الضعفاء، ولم يصرح بالحكم عليه بشيء، وبمراجعة ما عزا إليه الحديث وهو ابن عدي (١) وابن حبان (٢) يستفاد أن رواية الحديث عن معاذ ضعيفه، لا موضوعة.

لكن أبا حاتم الرازي قال عن الحديث من الطريق نفسه الذي ذكره ابن عدي، وابن حبان: إنه باطل (٣).

فكان الأمر يقتضي من العراقي تحقيق هذا الخلاف في حديث معاذ، وبيان الراجح من القولين السابقين فيه، ولكنه لم يفعل كما ترى.


(١) ينظر الكامل لابن عدى ١/ ١٧٨.
(٢) ينظر المجروحين له ١/ ١٤٢، ١٤٣.
(٣) ينظر اللسان ١/ ترجمة (٩٣٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>