«الإملاء» وموقفه منه، كما أنه بيان إجمالي لرأيه فيه، فهو يشير إلى أنه نوع من مسلك الرسول ﷺ في تبليغ ونشر ما أمر به من الله ويقرر اقتداء من بعده به، تحملا وأداء حتى انتشرت الشريعة متصلة بالسند إليه ﷺ فكانت تلك خاصية هذه الأمة، ثم يصرح بانقطاع الإملاء قبله، بعد أن كانت مجالسه عامرة، وقد أوضحت من قبل أن مناط الحكم بانقطاع تلك المجالس ملاحظة الأمر الأغلب.
ثم رجع بهذا الإنقطاع إلى أمر أساسي وهو توسيد أمر الاشتغال بالسنة تعلما وتعليما إلى غير أهله ذوي الهمم العالية والرغبات الأكيدة، فكان أن تقاعدت همم المحدثين عن الإملاء لعدم توافر الكفاية العلمية اللازمة لديهم كما رغب الطلاب عن ذلك لعدم وجود الدافع والمشجع.
ثم بين أن تأخره في إحياء سنة الإملاء، مع تكرر الطلب، إلى الأوان الذي بدأ فيه بالمدينة، لم يكن عن رضا منه بانقطاعها، بل كان شديد الأسف لذلك، كما لم يكن عن قصور أو تقصير؛ بل كانت الكفاءة والرغبة متوفرين لديه. ولكنه كان يفتقد الطرف المقابل وهم طلاب السنة الراغبون في المواظبة على تلك المجالس. فلما توافرت جماعة منهم سارع إلى النهوض بذلك في نفس مكان وزمان تواجدهم، ومما يوضح الكفاءة والرغبة الصادقة من جانبه، أنه لم يقترح عليهم ما يمليه، بل أملى عليهم أجود ما رغبوا هم في استملائه من الأحاديث العالية الإسناد.
ولعلنا نتساءل بعد ذلك: لماذا إذن لم يواصل العراقي إحياء سنة الإملاء بالمدينة وتوقف بعد إملاء عدد محدود من الأحاديث؟