الشيخ لم يكن يجلس للحديث إلا على طهارة، فإذا أحدث، أشار لمن يقرأ عليه بقطع القراءة حتى يتوضأ ويعود للمجلس، ولما كان الأمراء يفرشون أماكنهم الخاصة بالبسط الحريرية الفاخرة، مخالفين بذلك أحكام الدين مع عنايتهم الظاهرة به، فإن العراقي لم يكن يسمح بالمشي على بساط الأمير بدون حائل (١)، وهذا دليل على أن صلته بالأمراء وتوظفه لديهم، لم تجعله يجاملهم على حساب الشرع، والتطبيق العملي لسنة الرسول ﷺ.
ثم إني وقفت على صورة خط العراقي بإثبات سماع الأمير «يلبغا السالمي» من أمراء عصره الكبار، وولده أيضا، لكتابه المعروف بـ «النكت على علوم ابن الصلاح»، وذلك في عدة مجالس، مع بعض تلاميذ العراقي، ومنهم مالك النسخة المثبت بها ذلك، ونص كلامه:«بلغ مالكه الشيخ نور الدين التلواني، قراءة علي والجماعة سماعا: الجناب السيفي «يلبغا السالمي» وولده أبو الحسن محمد، والشيخ جمال الدين عبد الله بن أحمد بن الغرياني، وولده أبو الوفاء إبراهيم، والشيخ شهاب الدين أبو الفضل ابن حجر سماعا كتبه مؤلفه» وعلم بهذا على النسخة في ١٩ موضعا (٢). ولما كان «ابن حجر» من ضمن السامعين كما ترى، فإن هذا يدل على تأخر هذا السماع عن شروعه في طلب الحديث على العراقي في سنة ٧٩٦ هـ كما سيأتي، وبالتالي يكون سماع الأمير المذكور معه هو وولده في هذه المرحلة أيضا، لكن
(١) انظر في هذه الفقرة عموما «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٧ و «عنوان الزمان» جـ ٤/٨ - ١٦ أصل وهامش. (٢) انظر مقدمة الشيخ محمد راغب الطباخ لتحقيق «مقدمة ابن الصلاح وشرحها» للعراقي ص ٥.