المرشح الأول لقراءة الحديث ودرسه بمجلس السلطان السابق علي السلطان «برقوق» كما تقدم، وكما قيل العراقي الوظيفة الأولى، قبل هذا المنصب بكل كرامة واعتزاز وكفاءة، بالإضافة إلى أنها في مكان محبب إليه، وهو بطبعه كان كثير الإقامة به، والتعرف على أهله، والتردد عليه، رغم مشقات الرحلة، تقربا إلى الله ورسوله، بدون وظيفة رسمية، وأعد العراقي نفسه للسفر والإقامة هناك، فأناب ولده أبا زرعة، عن كفاءة، في مناصبه التي كان يباشرها بالقاهرة، من تحديث، وتدريس، كما أشرنا، وغادر القاهرة إلى مكة، حيث أدى شعائر الحج كما ذكرنا، ثم اتجه إلى المدينة، فباشر مهام منصبه الجديد وبدأ به مرحلة جديدة من نشاطه العملي والعلمي.
ويذكر ابن الفرات معاصر العراقي، أن الذي تولاه بالمدينة هو منصب «قاضي القضاة»(١).
وكذا لقبه بهذا صاحب «إتحاف الرواة بمسلسل القضاة»(٢) أي أنه كان رئيس قضاة المدينة، وليس مجرد قاض عادي، ومنصب قاضي القضاة، كان أرفع مناصب العلماء في ذلك العصر، حتى كان شاغله يلقب بـ «شيخ الإسلام» باعتبار رئاسته لهيئة التشريع الإسلامي في محل ولايته (٣)، وقد لقب به العراقي من غير واحد كما سيأتي. ولعل مما يرجح هذا أني لم أقف على أي واقعة لجلساته للقضاء كما هو معتاد، وإن كان هذا لا يقطع بعدم فصله خلال ولايته في بعض القضايا، خاصة ما لا يرتضي أصحابها حكم.