للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

متسع قبل حلول الحج، وفي عصره كان التهافت موجودا بصفة عامة على منصب القضاء فضلا عن قضاء المدينة خصوصا كما سيأتي. لكن العراقي كما قدمنا في الجانب الخلقي من شخصيته كان أنموذجا لما ينبغي أن يكون عليه العالم من الترفع عن الشبهات عملا بعلمه، وليكون قدوة لغيره، ويؤكد ترفعه وعدم تهافته أن هذا المنصب هو الذي سعى إليه ابتداء وعلى يد السلطان نفسه في ذلك الوقت، ولم يسع هو إليه، رغم كفاءته وضيق عيشه، وفي ذلك يقول ابن حجر عنه: «وولي قضاء المدينة الشريفة عدة سنين بدخول السلطان «برقوق» (١) عليه في ذلك لكثرة مجاورته بالحرمين (٢)، ولا شك أن كثرة مجاورة العراقي بالحرمين لم تكن، كما يبدو، هي المسوغ الوحيد لتقليده هذا المنصب الخطير، وإنما هي سبب مرجح، بعد تحقق كفاءته علما وخلقا كما مر تفصيله، وإلا فقد كان هناك مئات المجاورين غيره بالحرمين من العلماء المعروفين، كما يعرف ذلك من مصادر تراجم علماء عصره، وتولى العراقي منصب القضاء على هذا النحو، يعد من مفاخره، ويوضح صلته بحكام عصره، ومكانته عندهم، فهو موالي لهم بالحق، متعاون معهم فيما يقدر عليه من الخير، دون تزلف أو تملق، وهم يقدرون علمه وخلقه، فيسعى السلطان الأكبر إليه حيث يقيم بالقاهرة، ويطلب إليه تقلد منصب القضاء بالمدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومن قبل ذلك، كان هو


(١) هو أول سلاطين المماليك البرجية أو دولة المماليك الثانية، وتولى في سنة ٧٨٤ هـ ثم امتحن وعزل سنة ٧٩١ هـ ثم عاد سنة ٧٩٣ هـ حتى وفاته ٨٠١ هـ: «العصر المماليكي في مصر والشام» للدكتور سعيد عاشور/ ١٥٤ - ١٥٧ وه إنباء الغمر (٢/ ٩٢ حوادث سنة ٧٨٤ هـ.
(٢) و المجمع المؤسس) / ١٧٨

<<  <  ج: ص:  >  >>