وحرصه على الوقوف على مرويات شيخه العراقي يشير إلى أنه رجع إلى ما أحاله عليه ابن حجر وهو معجم شيوخه وروى للمترددين عليه هذا العدد الضخم من مرويات العراقي بمقتضى إجازته منه، ولعل مما يشير إلى قيامه بنشر تلك المرويات وغيرها مما استفاده من العراقي أنه رغم توليه المناصب الكبرى بالقاهرة كقضاء القضاة الحنفية وحسبة القاهرة، فإنه تعين لتدريس الحديث بالمدرسة المؤيدية أول ما فتحت، وظل يقوم فيها بالرواية والتدريس حتى آخر حياته، بحيث أخذ عنه الآباء والأبناء والأحفاد، فكان تلاميذه ثلاث طبقات متوالية، ومع إمامة العيني المعروف بها في علوم العربية من نحو وصرف وغيره، فإنه بلغ في العناية بالحديث تدريسا وتأليفا درجة المنافسة لابن حجر أبرز تلاميذ العراقي، بحيث يقول السخاوي إنه لم يعرف بعد ابن حجر من هو أكثر تأليفا منه، وقد تبادل هو وابن حجر الاستفادة العلمية شفاهة وباعتماد كل منهما على مؤلفات الآخر، وكانت بينهما منافسة الأقران التي جعلت كلا منهما ينتقد الآخر، وبلغ الأمر ذروته في قيامهما بتأليف شرحين للبخاري في فترة زمنية واحدة، وسمى ابن حجر كتابه «فتح الباري» وسمى العيني كتابه «عمدة القارئ». وتلاحظ من نفس التسمية الإشارة لانتقاص شرح منافسه، حيث جعل شرحه هو العمدة، كما أنه ينقل في شرحه عن شرح ابن حجر ويتعقبه (١) وانبرى ابن حجر للدفاع في مؤلف خاص سماه «انتقاص الاعتراض»، وعموما فإن كلا الشرحين حافل، وله مميزاته، وإن كانت شهرة «الفتح» أكثر من شهرة «العمدة»، وقد تناولهما غيرنا بالبحث المتخصص (٢). والذي
(١) انظر جـ ٤/ ١٥٤ و «عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري». (٢) أعد زميلنا الفاضل/ الدكتور «جميل الشوادفي» رسالة دكتوراه عن ابن حجر ومنهجه في فتح =