للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتكرر ذلك في القرآن الكريم كما قدمنا، وعلى ضوء هذه الآيات ونحوها، بين العلماء منزلة السنة من القرآن ويجمع آراءهم في هذا، أن القرآن تبيان لكل شئ، وجامع لكل شيء مما شرع الله، بطريق الإجمال في الغالب؛ لأنه لا يُصرح بتفاصيل أكثر التشريعات وشروطها وهيآتها، كالصلاة والحج وأنصبة الزكاة وتنفيذ الحدود ونحو ذلك، ولما كانت هذه التفاصيل موجودة في السنة عمومًا، وقد نص القرآن على وجوب طاعة الرسول وتكليفه بالبيان، كان بيان السنة نوعًا من بيان القرآن لكل شئ، ووسيلة له، فكان الرسول قرآنا يسير في الناس، وقال في صراحة ووضوح: «فاستنطقوا القرآن بسنتي ولا تعسفوه» (١).

وبهذا تلتئم معاني الآيات المتقدمة، وتظهر الحاجة للسنة بجانب القرآن وتلازمها تلازم البيان والمبين، مما يبطل زعم الفصل بينهما أو إحلال السنة محل القرآن أو العكس، وقد كان علماء الصحابة ومن بعدهم يفهمون ذلك ويبينونه لمن خفي عليهم ويضربون لهم الأمثلة التوضيحية.

فمن ذلك: ما أخرجه ابن عبد البر بسنده إلى ابن مسعود قال: «لعن الله الواشمات والمُسْتَوْشِمَات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله، فجاءته امرأة من بني أسد وقالت له بلغني أنك لعنت كيت وكيت فقال: ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله ومن هو في كتاب الله؟ فقالت: إني لأقرأ ما بين اللوحين فما أجده، قال: إن كنت قارئة لقد وجدتيه، أما قرأت ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٢)؟ قالت: بلى. قال:


(١) «الإلماع» للقاضي عياض هامش ص ٩.
(٢) سورة الحشر آية ٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>