لكن من المؤكد أنها كانت مبررًا قويا لصرفه عنها، قياسا على الرحلة، البغدادية.
وهكذا ظل كل من هاتين الرحلتين وديعة للعراقي في ضمير الزمن، تدل بوضوح على همته المتناهية ورغبته الأكيدة في الرحلة في سبيل السنة إلى أبعد مدى ممكن، لا يثنيه عن ذلك غير العوائق الخارجة عن إرادته وطاقته الشخصية أو عدم تحققه من النتيجة.
على أننا نلاحظ أن عدم تمكنه من القيام بهاتين الرحلتين لم يعد على ثقافته الحديثية بنقص يذكر، فمع قلة الرواة ببغداد فإنه قد أُتيح له التلمذة على غير واحد ممن رحل إليها: كالعفيف المطري، أو أُجيز من شيوخها كعز الدين بن جماعة، كما كان قصده الأول من رحلة تونس تحصيل علو السند برواية كتاب «الموطأ» فقط، مع سبق روايته له بسند أنزل، ولم تكن لعلوم السنة نهضة بالمغرب عمومًا كما قدمنا في حالة العصر، بل كانت مصر هي قطب الدائرة ومركز الإشعاع (٢) دون محاباة.
(١) و «لحظ الألحاظ» / ٢٢٥ و هـ «ذيل الدرر الكامنة» / ٧١ و (إنباء الغمر) جـ ٢ ص ٢٧٦ و (الأعلام) ج ٤/ ٢١٩ أو و «طبقات الشافعية» ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و «بهجة الناظرين» / ١٣٠ و ٥ الضوء اللامع (جـ ٤/ ١٧٢ و ٥ شذرات الذهب، جـ ٧/ ٥٥. (٢) انظر أيضًا و الإعلان بالتوبيخ) / ٦٦٨.