وعندما نتأمل تاريخ هذه الرحلة نجد أنها تجيء بعد آخر رحلات العراقي الشامية، وبعد كثير من رحلاته داخل مصر، إن لم يكن جميعها، فضلا عن رحلاته الحجازية المتقدمة، وبذلك كان قد خطا عدة خطوات على طريق النضج العلمي، وقطع مراحل ذات عائد ضخم من علمي الرواية والدراية كما سلف وتجيء أيضًا بعد أن غاب من الساحة حفاظها البارزون من شيوخ العراقي بمصر والشام والحجاز، حيث توفي قبلها العلائي وابن جماعة والعفيف المطري.
ومن هنا بدأت شخصية العراقي تصعد لملء هذا الفراغ على مستوى المنطقة وبالتالي فإنه منذ هذه الرحلة تغير الطابع العام لرحلات العراقي، فبعد أن كانت رحلاته السابقة غالبها استفادته هو، نجد أن تلك الرحلة وتالياتها غالبها إفادته لغيره، وظهور نتاجه العلمي في علوم السنة واتخاذه منهجا لدراستها.
ففي هذه الرحلة فرغ العراقي من باكورة تأليفه في أصول علوم السنة وهي ألفيته الشهيرة، حيث قال بنفسه:«فرغت منها يوم الخميس المبارك ٣ جمادى الآخرة سنة ٧٦٨ هـ بالمدينة الشريفة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأكملت تبييضها في يوم الثلاثاء ١٤ رجب سنة تاريخه»(١) ثم قام العراقي في نفس الرحلة بتدريس هذه الألفية لطلاب السنة؛ ومع أن رفيقه ابن النقيب كان من شيوخه، الذين سمع منهم الحديث وتخرج به غيره من الفضلاء، فإنه حضر تدريسه للألفية من أولها لآخرها بل كتبها عنه بخطه (٢)،
(١) انظر آخر نسختها الخطية رقم (٤٠٣) مصطلح الحديث بدار الكتب المصرية. (٢) و «ذيل ولي الدين» (وفيات سنة ٧٦٩ هـ ترجمة ابن النقيب) و (الضوء اللامع) ج ٤/ ١٧٤ و «لحظ الألحاظ» / ٢٢٨.