فإذا كان هذا شأن أحد شيوخه، فما بالنا بغيره من طلاب السنة المبتدئين. على أن نشاطه في تلك الرحلة تجاوز مجال الدراية إلى مجال الرواية فحدث في الحرمين بكثير من مروياته (١).
وهكذا ظهرت شخصيته باعتباره محدثاً بالحرمين ومؤلفًا في أصول علوم السنة ومدرسا لها، وتتلمذ له في الدراية بعض شيوخه في الرواية وكتب عنه تأليفه بخطه، وذلك غاية الدلالة على مكانته حينئذ، وعلى طابع رحلته الجديد كما أوضحنا.
غير أن ذلك لم يمنعه من مواصلة التزود من علوم السنة والتلمذة لغيره فيها، ففي ترجمة عبد الله بن عقيل النحوي المعروف، قال ولي الدين ابن العراقي:«إنه حدث، وسمع منه والدي وأسمعني عليه بمكة المشرفة»(٢).
ويترجح أن يكون ذلك في تلك الرحلة، حيث كان ولي الدين في سن السماع، ولأن ابن عقيل توفي بالقاهرة عقب تلك الرحلة في ربيع الأول سنة ٧٦٩ هـ (٣).
بل أكثر من هذا، أن العراقي انتهز فرصة مجاورة تقي الدين الواسطي شيخ القراء بمصر، معه بمكة، وأتم عليه القراءات السبع (٤) بعد مرور نحو ٢٦ عامًا على تحوله من القراءات إلى السنة، كما تقدم، وكأنه عزَّ عليه أن لا يُحصل نتيجة مستكملة من هذا العلم رغم سابق إنهماكه فيه، فأتم القراءات السبع.
(١) «التحفة اللطيفة» للسخاوي جـ ٢/٣٧. (٢) «ذيل ولي الدين» (وفيات سنة ٧٦٩ هـ). (٣) نفس المرجع. (٤) «غاية النهاية» لابن الجزري جـ ١/ ٣٣٤.