التقى العراقي بمكة في هذه الرحلة بأستاذه البارز حافظ الشام صلاح الدين العلائي، حيث كان هو الآخر كثير الحج والمجاورة كما سلف، وقد سمحت شهور المجاورة للعراقي بأن يلازم العلائي، للمرة الثانية (١) بعد ملازمته له من قبل بالقدس كما مر، وبذلك تضاعفت استفادته بعلمه، وإذا كان قد شهد له في الملازمة الأولى ببلوغ درجة «الحافظ» فلا شك أنه أكد في هذه الملازمة تقديره له، بموجب ما عرفناه عن العلائي من الخبرة والإنصاف، وما عرفناه عن العراقي من التصعيد المستمر لنشاطه في جانبي الرواية والدراية معا، بل إن ملازمة العراقي لأستاذه العلائي في تلك المجاورة لم تمنعه من الجد في الاستفادة بغيره من شيوخ الحديث ورواته المعدودين بمكة، ولهذا ذكر المؤرخون أنه سمع بها الحديث من كثيرين، وذكروا ثلاثة منهم يجمعون بين الحديث والإمامة في الفقه (٢) ولكني وجدتُ أقدمهم وفاة: هو أحمد بن قاسم القرشي العمري الحرازي المكي الذي سمع الحديث ومهر في الفقه حتى انتهت إليه رياسة الفتوى بمكة، وقد توفي بها في ١٢ شوال سنة ٧٥٥ هـ (٣) أي أثناء وجود العراقي في تلك المجاورة، وهذا يرجح سماعه منه فيها.
وممن تأخرت وفاته عن ذلك أحمد بن علي بن يوسف المتوفى - على أبعد تقدير - أول سنة ٧٦٣ هـ - بمكة وكان إمام الحنفية بها، وقد كتب الحديث عنه العفيف المطري إمام المحدثين بالمدينة كما سيأتي، أما العراقي فقرأ عليه «تاريخ
(١) (لحظ الألحاظ) / ٢٢٦ و و الضوء اللامع و جـ ٤/ ١٧٢. (٢) و «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و (لحظ الألحاظ) / ٢٢٥ و و المنهل الصافي، جـ ٢/ ٣١١ ب و (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢. (٣) «الدرر الكامنة» جـ ١/ ١٥٠