وقد تولى مشيخة الحديث وتدريسه بعدة أماكن من الشام، ولكن عند رحلة العراقي إليها، كان قد استقر ببيت المقدس، واتخذ سكنا بالمدرسة الصلاحية بها، وظل يعمل فيها بالتحديث والتدريس والإفتاء والتصنيف، حتى توفي - على الراجح - في العشر الأول من المحرم سنة ٧٦١ هـ، وقد أكثر من المؤلفات النافعة، المتقنة، فاشتهرت، وغالبها في علوم السنة، ومنها ما يتعلق بالفقه، وأصوله، وقد سئل تقي الدين السبكي عمن يخلف بعده فقال:(العلائي).
أما أثره في العراقي فكان عميقًا، بدليل تعدد مظاهره، وفي مقدمة ذلك: أن العلائي باعتباره الرجل الأول في الحديث بالشام، والثاني بعد السبكي في الفقه وأصوله، كما أشرنا، فإن تلمذة العراقي عليه تممت نتائج تلمذته للسبكي، حتى شهد المؤرخون كما مر، بأن العراقي زاد تضلعا في فنون السنة باجتماعه بالرجلين، في رحلته الأولى وأخذه العلم عن كليهما.
ثم إن العراقي لما ذهب بعد تلمذته للسبكي بدمشق، إلى العلائي بالقدس، لازمه، فانتفع به، وأخذ عنه علم الحديث، وكل من الملازمة وأخذ علم الحديث من أوضح مظاهر التأثير، فالملازمة هي أهم ما يُعبر به في الاصطلاح العلمي، لبيان تأثر الطالب بأستاذه، وعمق استفادته بفكره وعلمه، حيث يتاح له تلقي عموم دروسه وفوائده، بالإضافة لاطلاعه على طريقته في التحصيل، ومنهجه في البحث، والتصنيف، والتدريس، فيستفيد من ذلك خبرة جيدة في تلك المجالات، وسيأتي أن ملازمة العراقي للعلائي تكررت خلال مجاورة كل منهما بالحرمين، مما جعل الاستفادة والتأثير متضاعفين، ومن جهة أخرى تتيح الملازمة للأستاذ، تبيين نقاط الضعف والقوة في تلميذه،