ولم أجد بيانا لتاريخ مولد «ابن البابا» هذا، ولكنه مات شهيدًا بالطاعون في أواخر سنة ٧٤٩ هـ. وتأثيره في العراقي يرجع إلى ما قدمناه من كونه أوّل من قرأ العراقي عليه الحديث في ابتداء طلبه بنفسه ٧٤٢ هـ، وتعتبر قراءته عليه معظم كتاب «الإلمام» أنموذجا لتلقيه مؤلفات المتأخرين بالسند المتصل عن مؤلفيها، مثل تلقيه مؤلفات المتقدمين، كالبخاري ومسلم، ثم وجدنا العراقي نفسه، بعد أن ذكر قراءته عليه أكثر كتاب «الإلمام» يقول: «واستفدت منه كثيرًا»، وهذا تعبير صريح عن تجاوز التلمذة له والاستفادة منه حد القراءة عليه لكتاب أو كتابين، وإلا لقال:«قرأت عليه أكثر الإلمام وغيره».
وقد كان «ابن البابا» من حفاظ الحديث الذين تَتَلَقَّى عنهم الرواية والدراية معا، ولقبه تلميذه العراقي بالإمام العلامة الحافظ، مع دقته في إطلاق الألقاب العلمية الحديثية، وذكر غيره أنه اشتغل فوق رواية الحديث بتدريسه لطلابه بعدة أماكن، منها قبة بيبرس بالقاهرة، ومقتضى ذلك أن تكون استفادة العراقي الكثيرة منه متعلقة بعلوم السنة، من المصطلح، وبيان ما يتعلق بسند الحديث ومتنه، فكان بذلك شيخ العراقي في الرواية، وأستاذه المفيد في علوم الدراية، وقد اعتنى العراقي به، فترجمه في ذيله على وفيات الأعيان، وفي ذيله على العبر للذهبي، وتلقيبه له بما ذكرنا وتصريحه بكثرة الاستفادة منه، يدلان على قناعته بعلمه وتقديره المنصف لشيوخه، واعترافه بفضلهم عليه، وبأثرهم في تكوين شخصيته الحديثية، وهكذا ينبغي أن تكون أخلاق الطالب مع أستاذه، خاصة بعد زمن التلمذة، كما فعل العراقي.
ثم إن تلمذته هذه لابن البابا في الرواية والدراية معا، وتصريحه بكثرة الاستفادة منه، لها أكثر من دلالة، فإن هذا الحافظ قد توفي - كما ذكرت.