غير أن الحافظ ابن حجر لا يريد إيقاف التقصير في طلب شيخه العراقي للسنة عند حد مرحلتي الطفولة والصبا المتقدمتين، واللتين انتهيتا معه إلى رجوع غالب المسئولية فيهما على والد العراقي لقيامه بأمره فيهما.
وإنما ينتقل إلى هذه المرحلة التي يُعد العراقي مسئولاً عنها، وهي مرحلة طلبه بنفسه، فيقرر: أنه وإن كان قد بدأ الطلب بنفسه فعلا سنة ٧٤٢ هـ فسمع الحديث وقرأه على بعض الشيوخ، إلا أنه تراخى عن الجد في ذلك، ولم يتنبه لطلب الحديث على وجهه إلا بعد هذا التاريخ بنحو عشر سنوات، ثم تبعه في هذا غير واحد كما سنوضحه.
وإذا كانت الأدلة قد توفرت لدينا لإقرار وجود تقصير غير متعمد، فيما قبل بدء طلب العراقي بنفسه سنة ٧٤٢ هـ، فإنه قد توفرت لدينا الأدلة هنا على العكس، وهو رد ما قرره الحافظ ابن حجر ومن تبعه، من نسبة العراقي اللغفلة عن الطلب، والتراخي فيه، خلال تلك الفترة الطويلة من طلبه للسنة بنفسه.
ولعل ابن حجر أدرك صعوبة التسليم له بهذا القرار الذي يهز فيه، بل يحاول نسف عشر سنوات تقريبًا من نشاط أستاذه في مجال تخصصه بعد اعترافه بوضع قدمه على الطريق قبلها، فلجأ إلى عزل وتوهين الحقائق التي تصادم قراره، ثم قدم دليلا واحدًا عليه، وهو عدم وجود سماع للعراقي من كثيرين من ذوي الإسناد العالي، الذين تواجدوا في تلك الفترة وكان بإمكانه سماعهم.
أما الحقائق المصادمة لهذا:
فأولها: وجود وقائع كثيرة للطلب، سجلها العراقي نفسه، فضلا عن غيره،