ونجدهم يعدون كل ذلك سننا مأثورة، وأن تفاوت القدر الوارد في كل منها قلة وكثرة، وتفاوتت جهة إيراد المروي عن الصحابة والتابعين، من دليل أصلي تارة، إلى دليل ثانوي للتقوية والاستشهاد والاستئناس.
فأمير المؤمنين في الحديث عبد الله بن المبارك وطبقته، من أوائل المصنفين في السنة في العالم الإسلامي جمعوا في مصنفاتهم بين المروي عن الرسول ﷺ والمروي عن صحابته وتابعيهم، متخذين الكل دليلا أصليا (١)، ونظرة منا إلى الفهرس التحليلي لكتاب «الزهد والرقائق» لابن المبارك ترينا أن الوارد فيه عن الصحابة والتابعين، ضعف الوارد عن الرسول ﷺ(٢).
وأيضا الإمام مالك في «موطئه» يورد ما جاء عن الصحابة والتابعين، دليلا أصليا ويسميه سنة (٣)، لكن ما أورده أقل كما مما أورده ابن المبارك في الزهد بكثير، أما الإمام البخاري في «صحيحه» فقال عنه الحافظ ابن حجر: «وإنما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين وتفاسيرهم لكثير من الآيات، على طريق الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل المختلف فيها»(٤)، وهذا بلا شك نوع من الاستدلال بها، وإن كان أوفى من صنيع من تقدموه، ولو نظرنا إلى المسانيد نجد أوفاها وهو مسند الإمام أحمد
(١) انظر «مقدمة فتح الباري» لابن حجر ج ١ ص ١٧ و «شرح السيوطي لألفيته» ورقة (١٦ ب) وما بعدها (مخطوط). (٢) انظر فهرس كتاب «الزهد والرقائق» من ص ١ - ٨ و من ص ٨ - ٢٠. (٣) انظر كتاب الصلاة - باب السنة في السجود في «الموطأ» رواية محمد بن الحسن ص ٦٩، وكتاب السهو في الصلاة في «الموطأ» رواية يحيى بن يحيى ص ٨٣. (٤) انظر مقدمة «فتح الباري» ج ١ ص ٢٣٨.