حيث نجد التابعي الجليل محمد بن شهاب الزهري رائد الجامعين للسنة في عصره، يحدثنا عنه رفيقه صالح بن كيسان فيقول: «كنت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم فاجتمعنا على أن نكتب السنن فكتبنا كل شي جاء عن النبي ﷺ، ثم قال (أي الزهري) نكتب ما جاء عن أصحابه فقلت لا، ليس سنة، وقال هو: بل هو سنة، فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت» (١).
ومن هذا يظهر لك استقرار الأمر على ما رأى الزهري، من عد ما جاء عن الصحابة سنة، ورجوع صالح لذلك وندمه على ما ضيعه منها بمخالفته أولا، وعدم مشاركة الزهري في تدوينها بالإضافة لسنة الرسول ﷺ.
وبهذا كان مفهوم السنة الذي جرى عليه الزهري كما نرى، ووافقه عليه معاصروه، مطابقًا لتعريفها العام الذي ذكرناه، وقد بين الزهري مشاركة غيره له في هذا، وانتشار ما دونوه على ذلك المنهج رسميًا في أقطار الإسلام عمومًا بأمر الخليفة العالم عمر بن عبد العزيز، دون نكير عليه، فيقول:«أمرنا عمر ابن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا»(٢).
وقد تتابع علماء السنة على ذلك فيما تلا هذا التدوين العام، من التأليف المنظم على مر العصور، حتى عصر العراقي وما بعده إلى يومنا هذا، فما من مؤلف جامع، للمتقدمين أو المتأخرين، على مختلف شروطهم ومناهجهم، إلا نجده مشتملًا على ما هو مضاف للرسول ﷺ ولأصحابه وللتابعين،
(١) رواه ابن عبد البر بسنده من طريقين، «جامع بيان العلم» جـ ١ ص ٩٢. (٢) المصدر السابق ج ١/ ٩١، ٩٢.