للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذكراه أفيد من اكتفاء غيرهما بالقول: إنه اشتغل أولا بعلم القراءات، ثم مال إلى الحديث، وصرف الهمة إليه، دون ذكر أي سبب لذلك الميل (١).

أما ابن حجر فيذكر أن ابن جماعة لم يُرشّح العراقي لعلم الحديث بالذات رعاية المناسبة عقليته له فحسب، بل لما رأى أيضا من حرصه على الحديث وتحصيله، لكن على غير وجوه الطلب المتعارفة كما سنبينها، وفي ذلك يقول: «وكان أي العراقي مفرط الذكاء، فأشار عليه القاضي عز الدين ابن جماعة بطلب الحديث، لما رآه مكبا على تحصيله، وعرفه الطريق في ذلك» (٢) كما يذكر أنه عرف سابق حبه للحديث، فيقول: «واشتغل بالعلوم وأحب الحديث، لكن لم يكن له من يُخَرِّجُه على طريقة أهل الإسناد» (٣).

وهكذا يظهر لنا أن اتجاه العراقي للتخصص في علوم السنة، لم يكن ضربة لازب، ولا تحولا مفاجئا من أجل وظيفة، أو نصيب من الأوقاف، ونحو ذلك مما عرف عن كثيرين في عصره، كما لم يكن أمرا مسوقا إليه بغير دافع أو كفاءة؛ بل كان مرجعه الاعتبار العلمي البحت، والتناسب العقلي والنفسي، والإختيار الموفق، فتوفرت له كل العوامل الأساسية، ولم يكن ينقصه غير عنصر التوجيه الذي هيأه له الله تعالى، على يد الشيخ عز الدين ابن جماعة، فاكتملت له بذلك عناصر النجاح والتفوق، فهو ثقة ظاهر التوثيق، كامل كما قدمنا، ومحب للسنة وعلومها، ومشهود له بقوة الحافظة المُمَكِّنَةِ من استيعاب المرويات، وبقوة الذكاء الممكنة من الفهم والاستنباط.


(١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و «المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٢ ب.
(٢) هـ «ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠.
(٣) و المجمع المؤسس، ص ١٧٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>