للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد توجه إلى التفرغ لهذا المجال باختياره القائم على المشورة الواعية الأمينة التي أخذ صاحبها على عاتقه تعبيد الطريق أمام تلميذه، والإسهام الفعلي في تكوين شخصيته الحديثية، والإشادة بها كما سنفصله.

وتعتبر هذه هي الخطوة الثانية في حياة العراقي العلمية التي تدخل فيها بعض شيوخه، حيث سبقها اعتراض شيخه الرشيدي على عزمه أن يحفظ كتاب (الحاوي الصغير) في شهر، مع دراسته كما قدمنا. ويظهر أنه بجانب اقتناعه بوجهة نظر شيخه ابن جماعة قد استفاد من التجربة السابقة، فاستجاب له، بل طلب مشورته، أو النيابة عنه كلية في اختيار عِلْمٍ مُلائم له، ولما أشار عليه بعلم الحديث أقبل فورًا بكليته عليه (١).

وقبل أن نتابع تفاصيل هذا الإقبال نرى الأمر يحتاج لعدة مواقف:

الموقف الأول: أن وصف ابن جماعة لعلم القراءات بأنه كثير التعب في التحصيل، وقليل الجدوى في المحصول، وإقرار العراقي له على ذلك، لا ينبغي أخذه على ظاهره المنافي لأهمية علم القراءات وخطورتها المستمدة من مكانة متعلقها وهو القرآن الكريم؛ لأنه لا يعقل خفاء ذلك - على كلا الرجلين أو تهاونهما فيه؛ وإنما قصد (ابن جماعة): أنه عِلْمٌ قوامه الرواية، ومجال الاجتهاد العقلي في مسائله محدود، وبالتالي فإن صاحب الذهن المتوقد كالعراقي يكون إنتاجه فيه محدودًا، بينما لو اتجه إلى علم يجمع بين الرواية والدراية والاستنباط كعلم الحديث، تكون فائدته أعم ومجهوده أظهر.


(١) «لحظ الألحاظ»، ص ٢٢٢ و «مقدمتي شرحي المناوي لألفية السيرة».

<<  <  ج: ص:  >  >>