بأجلى صوره ومعانيه في شخص الحافظ العراقي، كما توفرت له البيئة والقدوة الصالحتان المعينتان على ذلك منذ صغره كما أوضحناه، هداه الله للاعتقاد الصحيح، ومنحه الاستعداد الطيب، والطبع المعتدل، والهمة العالية للتمسك والاقتداء الواعي.
ومصداق ذلك ما قدمنا في مظاهر اعتقاده وما نُضيفه ها هنا مما شهد به تلاميذه وقرره مؤرخوه؛ فقد اتفقوا على أنه كان دَيِّنا (١) أي شديد التمسك بأحكام الدين وآدابه، خَيِّرا (٢) أي محبًا لحصول الخير للناس، ساعيا في إيصاله لهم، دون أن يمن بذلك أو يتطلع للعوض أو يتعالى؛ فقد كان متواضعا (٣)، بل شديد التواضع حتى لا يرى له على أحد فضلا (٤).
ومع ضيق عيشه كما قدمنا، فإنه اتصف بغاية الكرم والإيثار وأنه ليس للدنيا عنده قيمة، ولا يأكل طعامه وحده أبدًا (٥)، وذلك هو جماع حقيقة الزهد (٦) ورضاء النفس بمحصول سعيها.
وتخلق أيضًا بالورع والعفاف والصيانة (٧) ومقتضى ذلك تجنبه للشبهات.
(١) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٨، ٢٣٤ و «الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧٦. (٢) المصدر السابق ص ٢٢٨. (٣) «المجمع المؤسس» لتلميذه ابن حجر ص ١٧٨ و «ذيل التقييد» لتلميذه التقي الفاسي ورقة ٢١٩ ب و «لحظ الألحاظ» لتلميذه ابن فهد ص ٢٢٨، ٢٢٩ و «الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧٠. (٤) «لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢٨. (٥) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة عبد الرحيم العراقي). (٦) انظر «تعريفات» الجرجاني ص ٦١. (٧) «لحظ الألحاظ» ص ٢٢٨، ٢٢٩ و «الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧٦.