سمع والده غير مرة يحكي أنه في شبابه أصابته حمى، فذهب إلى النيل وانغمس فيه وهو مستقبل جَرْيَةَ الماء، عملا بحديث «إذا أصاب أحدكم الحمى … فليستنقع في ماء جار، وليستقبل جريته» الحديث (١).
فأقلعت عنه الحمى ولم تعد له بعد ذلك. قال أحمد: وقد توفي والدي ﵀ ولي من العمر أكثر من ثلاث وأربعين سنة، ولم أفارقه إلا مدة إقامته بالمدينة الشريفة وهي ثلاث سنين، ومدة رحلتي إلى الشام، وهي دون ثلاثة أشهر، فلم أره حُم قط، حتى ولا في مرض موته، إنما كان يشكو انحطاط قواه، وكان قد جاوز إحدى وثمانين سنة، وذلك بحسن مقصده وامتثاله أمر النبي ﷺ بجد وتصديق وحسن نية (٢). ومن هذا نعلم أن العراقي تمتع في عموم حياته بالصحة والمناعة ضد الحمى وغيرها من الأوبئة التي تعدد انتشارها في مصر والشام والحجاز كما أوضحنا في حالة العصر. وكما رأينا في وفاة زوجته الأولى بين يديه بوباء الطاعون الذي اجتاح مصر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة للهجرة، ومن قبلها سنة تسع وأربعين وسبعمائة هجرية كما أرخه العراقي بنفسه فيما سيأتي من مؤلفاته، وكان الموتى لا يحصون كثرة ولم تكن أمصال التطعيم المعروفة حاليًا موجودة حينذاك، واحتمل أيضا ما تكرر من مجاعات حتى في سنة وفاته، وخرج من كل ذلك سليما معافى بفضل ما منحه الله من بنية صحيحة قوية، تحملت الجوع وقاومت الأمراض العاتية والأوبئة المتعددة، فظل ناعما بصحته وحواسه، خاليا من العلل المزمنة.
(١) أخرجه الترمذي من حديث ثوبان وقال هذا حديث غريب. الطب - باب ٣٢، ٦/ ٢٦٠ ح ٢١٦٦ مع تحفة الأحوذي، وانظر (طرح التثريب) للعراقي وولده جـ ٨/ ١٨٨. (٢) (طرح التثريب) جـ ٨/ ١٨٨، ١٨٩.