مجردة عن الإسناد، وقد يذكر صحابي الحديث، وقد لا يذكر لفظ الحديث، ولكن يشير إلى معناه، كما تقدم بيان شيء من ذلك في شرط العراقي في تخريجه هذا.
وقد ظهر لي من صنيع الغزالي خلال كتابه «الإحياء» أنه يعتمد تصحيح البخاري ومسلم، أو أحدهما، أو غيرهما ممن رأى أهليته لذلك. ولكنه أضاف إلى ذلك أمرا آخر، وهو أنه يجيز الحكم بصحة متن الحديث، إذا وجد المعناه محتمل شرعي، ولو لم يوقف له على إسناد مطلقا، أو لم يوقف عليه في أي كتاب من كتب الحديث. ولعل هذا مما جعله يعول كثيرا في نقل الأحاديث التي أوردها في «الإحياء» على مصادر غير حديثية، مثل:«قوت القلوب» لأبي طالب المكني (١) و «الرسالة» لأبي القاسم القشيري وغيرهما من كتب الصوفية والفقهاء (٢) ولذلك وقع في الكتاب كثير من الأحاديث التي قرر العراقي وغيره كما تقدم، أنه لا أصل لها، أو لم توجد في كتب الأحاديث بأنواعها، أو وجدت في كتب الموضوعات كما سيأتي. وقد كان هذا محل انتقاد شديد للغزالي كما سيأتي.
وقد وقف الحافظ العراقي من ذلك كله موقف المحدث الناقد المنصف.
فأقر الغزالي على ما يتفق مع القواعد النقدية عند المحدثين، ورد عليه ما يخالفها، بالدليل المعتبر، في هدوء واتزان، وعفة لسان، وذلك مما يجعله أسوة حسنة ينبغي الاقتداء بها لمن بعده من النقاد.
(١) ينظر شرح الزبيدي للإحياء ٣/ ٢٨١، ٣٧٠، ٣٨٠. (٢) تنظر طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ٦/ ٢٤٧، ٢٤٩.