يليهم، وهكذا جيلًا بعد جيل، لا من أجل إثبات المروي في تلك المصنفات الشهيرة، ولكن لتصحيح النسخ المنقولة من النسخ الأصلية، حتى يوثق بمحتواها، وحفاظًا على بقاء خصوصية الأمة في اتصال إسنادها الشفاهي بالدين إلى أبنائها، في كل عصر حتى قيام الساعة، وقد قرر ذلك العراقي وغيره من المتقدمين والمتأخرين (١). وظل قصد المحافظة على تلك الميزة للأمة الإسلامية، يدفع الكثيرين ممن تلقوا شيئًا من الجوامع الأولى للسنن والآثار ومتعلقاتها، إلى الحرص على الإثبات الكتابي لتحمله، سواء في نفس نسخة الكتاب الذي تحمله، أو خارجه في ثَبَتٍ خاص، حذرا من النسيان، وتخليدا لشرف اتصال سنده بأقطاب السنة من قبله، كالبخاري ومسلم، وليكون ذلك أيضًا مستندا له في أداء ما تلقاه عن شيوخه إلى من بعده، فَيُسهم بذلك في استمرار خصوصية الأمة باتصال السند في كل عصر، وبجمع وترتيب إثباتات ما تلقاه الشخص عن شيوخه من كتب السنة وأجزائها ومتعلقاتها، تكونت المشيخات والمعاجم التي ألفها العلماء بعد عصور التدوين، سواء لأنفسهم كالطبراني والسلفى وابن حجر، أو لغيرهم، كما فعل العراقي، وبذلك أصبحت أبرز مهمات المعاجم والمشيخات: اثبات اتصال سند صاحب أي منها بأصحاب المرويات والمدونات الحديثية من قبله، والذين يتصل اسنادهم بمروياتهم، ومدوناتهم إلى المصدر الأول للسنة ﷺ وإلى أصحابه وتابعيهم، وبذلك تكتمل سلسلة الإسناد المحققة لميزة الأمة، نتيجة لتضافر جهود العلماء الأوائل كالبخاري والأواخر كالعراقي، وتلاقيهما،
(١) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٢/٣٤، ٣٥ و «جامع المعقول والمنقول في شرح جامع الأصول» لابن الأثير تأليف الشيخ عبد ربه سليمان/ ٢٥ و «قواعد التحديث» للقاسمي/ ٢٠٢.