البلاد في أيديهم كما قدمنا، فاستطاعوا الإنفاق بسخاء على العلم والعلماء، كما أنه بعد قضائهم على الصليبيين، وقهر التتار قبيل مولد العراقي كما أسلفنا، هدأت الحروب الخارجية مدة طويلة، وبذلك تهيأ المناخ لتركز العلماء، ونهضة العلوم الإسلامية في المنطقة.
وقد تقدم أن المؤرخين اتفقوا على أن العصر الذي ولد فيه العراقي ونشأ وهو عصر الناصر محمد بن قلاوون، كان أزهى عصور المماليك في مختلف الجوانب، ولا سيما الجانب العلمي، وفي مقدمته علوم السنة، ورغم الاضطراب الداخلي بعد الناصر كما قدمنا، إلا أن العاملين الدافعين للنهضة العلمية ظلا باقيين يؤتيان أعظم الثمار.
فقد استمر هدوء الحروب الخارجية معظم حياة العراقي البالغة ثمانين عاما، فكان ذلك مما جعل الناس في الداخل يستشعرون الأمن والاستقرار فينبعثون لترميم جوانب حياتهم، وتعويض المفتقد منها، وعلى رأس ذلك الاهتمام بتراثهم العلمي، تعلما وتعليما وتأليفا، يُعوّض ما أعدمته وحشية التتار، وتعصب الصليبيين.
ومن جهة أخرى أتاحت تلك الهدنة الطويلة، للحكام أن يتجهوا لأحوال الدولة الداخلية، ويتعهدوها بالإصلاح والتنمية، وأبرز ما عنوا به، هو العلم والعلماء، ولم يكن تقاتلهم المتعدد على الحكم بعد الناصر، وانغماس بعضهم في الملذات، وتورط كثير منهم في المعاصي، حائلا دون ذلك، بل على العكس، فإنه دفعهم إلى التسابق في خدمة العلوم الإسلامية، إما تكفيرًا عن خطاياهم وطلبا لعون الله ورضوانه، تبعا لتدينهم كما يُقرر ابن خلدون (١).