السنة بمفهومها المتقدم، مَرَّت كغيرها من العلوم الإسلامية، بعدة مراحل حتى صارت عِلْمًا قائما بذاته له أصوله ومصطلحاته، ومناهج بحثه ومؤلفاته المبينة لكل ذلك، والمطبقة له، والحافظة للأصل الثاني للإسلام بعد القرآن الكريم، وباتساع دوائر البحث وتجدد المسائل والقضايا في كل عصر وبيئة، صارت المباحث علومًا عديدة، كل منها يخدم جانبًا من جوانب السنة، كعلم الجرح والتعديل، وعلم غريب الحديث، وعلم المصطلح، وسُمِّي مجموعها علوم السنة أو الحديث أو الأثر على الترادف السابق، وقد يطلق عليها «علم» مفردا، على إرادة الجنس الشامل لعدة أنواع، والسياق يُحدد المقصود.
وتتبع تلك المراحل منذ عصر الرسول ﷺ حتى القرن الثامن الهجري، ومفتتح التاسع حيث عاش الحافظ العراقي، واستغرقت علوم السنة عمره، ليس من مطالب موضوعنا، ولا يفي به هذا المدخل التمهيدي، فقد أفاض فيه القدماء والمحدثون من الشرقيين (١) والمستشرقين (٢)، وقدمت فيه رسائل جامعية متعددة (٣).
لهذا فإننا نكتفي هنا بالقول: إن السنة عبر تلك المراحل والقرون، قد
(١) كالذهبي في «تذكرة الحفاظ» والحسيني وابن فهد والسيوطي في ذيولهم عليها وكالأستاذ أحمد أمين في كتبه «فجر الإسلام» وضحاه وظهره على ما فيهم من أخطاء ردها عليه الباحثون من بعده، وكفؤاد سركين في «تاريخ التراث» وغيرهم. (٢) مثل كارل بروكلمان في «تاريخ آداب اللغة العربية» ومؤلفو دائرتي المعارف البريطانية والإسلامية رغم أخطائهم كذلك. (٣) منها: «الحديث والمحدثون» للدكتور محمد أبو زهو ﵀، و «السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج الخطيب، و «السنة النبوية في القرن الثالث الهجري» للأخ الفاضل الدكتور/ أحمد عمر هاشم وغير ذلك.