رمضان سنة ٧٥١ هـ بدمشق ونشأ بها، ومع أنه برع في علم القراءات وكان فيها إمام زمانه في كثير من الممالك، وعرف بها وألف كثيرًا فيها إلا أنه عني أيضًا برواية الحديث ودراسته ببلده وغيرها، وقد تكررت رحلاته إلى القاهرة لطلب العلم منذ سنة ٧٥٩ هـ، فأتاح له ذلك تلقي الحديث عن علمائها، وفي مقدمتهم الحافظ العراقي، وتقدم في ذلك حتى تفرد بعلو السند وحفظ الحديث ومعرفة الجرح والتعديل، والرواة المتقدمين والمتأخرين، وقد لقبه ابن حجر بـ «الحافظ الإمام المقرئ» ولقبه غيره بـ «المحدث».
كما أنه تولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وهي من أعلا دور الحديث مكانة بالشام، كما تولى غيرها أيضًا، وقد تميز ابن الجزري بتطوافه في معظم بلاد العالم الإسلامي في الشرق، ونشره للحديث وعلومه أينما حل، فبالإضافة لتدريسه الحديث بمدارس دمشق ومساجدها، حدث ودرس أيضًا بالقدس، ثم وقعت بينه وبين بعض الحكام خلافات إضطرته للفرار بحرا عن طريق الإسكندرية إلى «بلاد الروم»، فاستقر هناك عدة سنوات مشهورا بنشر القراءات والحديث، رغم وجود غيره من العلماء، ثم انتقل إلى (شيراز) بإيران الحالية، فقام بنفس الرسالة، ومما أسمعه للطلاب أيضًا بسمرقند (صحيح البخاري)(١).
وتنقل بعد ذلك بين الحجاز واليمن ومصر والشام، قائما بالتحديث والإقراء والتدريس، ولم يقطعه حلّه وترحاله بين تلك الأقطار الشاسعة النائية عن الاتصال بشيخه العراقي ومتابعة أخباره، حتى علم بوفاته وهو بـ «سمرقند».