ولعلّ هذا ما جعله يقول كما نقل السخاويّ عنه: إنّه لا يتهيّأ الحكم عليه بالوضع مع وجود هذه الطرق (١).
ومن مجموع ما تقدّم يستفاد أنّ النقّاد قبل العراقيّ قد اختلفوا في درجة هذا الحديث، فمنهم من حكم بأنّه حسن صحيح، وهو ابن العربيّ، ومنهم من حكم بوضعه كابن الجوزيّ وابن القيسرانيّ، وأبو الحسن الصغانيّ، فقام العراقيّ بجمع ما توافر له من طرقه عن جماعة من الصحابة، وأملاها بأسانيده عن شيوخه، مع تقرير أنّ مجموعها يرتقي إلى الحسن لغيره، وبذلك ردّ القول بوضعه، والقول بصحّته، وأثبت له درجة وسطا بينهما وهي الحسن.
وقد نقل هذا عن العراقيّ غير واحد ممّن جاء بعده، دون تعقّب، فدلّ هذا على تأثير مضمون هذا الجزء من أماليه فيمن بعده (٢) ويظهر من نقول من تقدّم ذكرهم عن العراقيّ أنّه لم يتعرّض لشرح متن الحديث، مع كون ظاهره مشكلاً، ولذا نقل السخاويّ عن شيخه ابن حجر قوله بأنّ الحديث ليس على ظاهره، بل هو محمول على موت مخصوص، إن ثبت الحديث (٣).
ونقل الزبيديّ عن ابن الجوزي أنّ في بعض طرق الحديث ما يفهم أنّ المراد بالموت الطاعون، فإنّهم كانوا في الصدر الأوّل يطلقون الموت ويريدونه به (٤). وذكر صاحب تنزيه الشريعة نحو ذلك دون عزوه لابن الجوزي (٥).
(١) ينظر المقاصد حديث (١٢٠٩). (٢) ينظر الإحالات السابقة على المقاصد للسخاويّ، واللآلئ والدرر المنتشرة كلاهما للسيوطيّ، وتنزيه الشريعة لابن عراق، وإتحاف السادة المتقين للزبيديّ، وفيض القدير للمناويّ وكشف الخفاء للعجلونيّ. (٣) المقاصد الحسنة/ حديث (١٢٠٩). (٤) إتحاف السادة المتقين ١٠/ ٢٢٧ - ٢٢٨. (٥) تنزيه الشريعة لابن عراق ٢/ ٣٦٤.