من الفعل صار واجبًا في نفسه، بل نفليته باقية كما كانت.
ولهذا قال أبو حنيفة ﵀: لو شرع في النفل قائما؛ كان له أن يتمه قاعدًا بلا عذر كابتداء الشروع فيه؛ لأنه في نفسه نفل وليس بواجب، وإنا نأمر بالفعل لحق ما مضى حتى لا يبطل؛ لأنه تعالى نهى عن إبطال القرب، كما أمر بالوفاء بالنذر والعهود، فوجب الاحتراز عن إبطالها، كما وجب الائتمار بوفاء النذور بالإجماع. هذا حاصل ما ذكر في الأسرار والمبسوط (١).
قال شيخ شيخي -رحمهما الله -: لما وجب الفعل بالنذر بالإجماع لأن يجب بالشروع بالطريق الأولى، وبيانه من وجوه:
أحدها: أن الوجوب المستفاد من النذر مستفاد من الأمر بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وبقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] ووجوب صيانة المؤدى مستفاد من النهي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وما يثبت من الوجوب بالنهي أكد من الوجوب الثابت بالأمر، وإليه أشار النبي ﵊:«لَتَرْكَ ذَرَّةٍ مما نهى الله تعالى خَيْرٌ من عبادة الثقلين»(٢).
وقد صرح التمرتاشي في جامعه: ولو كان على بدن المصلي نجاسة لا يمكنه غسلها إلا بإظهار عورته يصلي معها؛ لأن إظهار العورة منهي والغسل مأمور به، والأمر والنهي إذا اجتمعا كان النهي أولى (٣).
والثاني: أن صيانة الفعل أولى من صيانة التسمية التي هي القول؛ لأن فضيلة العبادة تزيد بزيادة المشقة، وهي في الفعل أكثر؛ ولهذا كان بناء الصلاة
(١) وانظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٠٨)، والجوهرة النيرة لأبو بكر الزبيدي (١/ ٧٥)، ودرر الحكام لمحمد بن فرامرز (١/ ١١٨). (٢) لم أقف عليه في كتب الحديث، وذكره ابن نجيم في الأشباه والنظائر (ص: ٧٨) وضعفه بعد أن عزاه للكشف. (٣) انظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص ٢٣٨)، والمعتصر من المختصر من مشكل الآثار لأبو المحاسن جمال الدين المُلَطِّي (١/٣٤).